غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
يتفقد المسن أبو خالد أبو غليون (٦٤ عامًا)، بعيون تملؤها الحزن، أنقاض المسجد العمري الكبير، الذي كان شاهدًا على حضارة وتاريخ مدينة غزة العريق، قبل أن تدمره آلة الحرب الإسرائيلية.
المسجد الذي لطالما كان ملاذًا روحيًا لأهل المدينة لم يعد سوى أطلال، وقد اندثر صوت الأذان الذي كان يصدح من مئذنته العتيقة.

يستذكر أبو غليون كيف كان يأتي إليه في طفولته، يصلي فيه ويستمع إلى دروس الدعاة والشيوخ. اليوم يقف عاجزًا، وكأنه يودع جزءًا من ذاته، من تاريخه الشخصي وتاريخ مدينته. يقول بصوت خافت لـ"نوى": "هذا المسجد ليس مجرد بناء، إنه ذاكرة غزة.. هو جزء من هويتنا".
تدمير المسجد العمري الكبير لم يكن جريمةً استثنائية، بل كان جزءًا من سياسة ممنهجة اتبعتها دولة الاحتلال لتدمير المدن في قطاع غزة، ماضيها وحاضرها ومستقبلها.
ففي الوقت الذي يحيي فيه العالم اليوم الدولي للمدن، الموافق 31 تشرين الأول/ أكتوبر، من كل عام، تواصل (إسرائيل) تدمير كافة مظاهر الحضارة والتاريخ في مدن قطاع غزة، مستهدفةً الأماكن التراثية، والمساكن، والأبراج، والساحات العامة، والحدائق، والمتنزهات.
لم تسلم المدارس، ولا المستشفيات، ولا المقار الحكومية، ولا البنى التحتية من الدمار، كما دُمرت المباني البلدية القديمة، والمنتجعات السياحية، وحتى الأراضي الزراعية، لتترك القطاع في حالة من الخراب والدمار الشامل.
غزة التي تحمل حجارتها تاريخًا يمتد لآلاف السنين، من الكنعانيين إلى الرومان والمسلمين، أصبحت الآن مدمرةً تمامًا تحت وطأة الغارات الإسرائيلية التي لم تتوقف منذ السابع من أكتوبر ٢٠٢٣م.
يتساءل أبو غليون: "كيف لأحفادنا أن يعرفوا تاريخهم إذا كان كل شيء يُدمَّر؟ كيف سنبني مدينتنا مجددًا، ومستقبلنا (..) نحن نواجه حربًا وجودية تهدف لاستئصالنا، ولا يوجد أمامنا خيار آخر سوى الصمود".

وبينما كان سكان غزة يعيشون حياة متحضرة رغم المشكلات التي كانوا يعانون منها نتيجة الحصار الإسرائيلي مثل أزمة الكهرباء، إلا أن هذه الحرب أعادت نمطهم المعيشي إلى الحياة البدائية التي كانت تسود قبل عدة قرون.
في إحدى الخيام المتناثرة على أطراف مخيم دير البلح، وسط قطاع غزة، جلست أم محمود، المرأة الأربعينية التي نزحت مع أسرتها المكونة من سبعة أفراد من مدينة غزة بعد أن دمرت الحرب منزلها.
بعد أن كانت أم محمود تعيش حياة عصرية في المدينة، اضطرت للتأقلم مع واقعٍ جديد، حيث تحولَت حياتها بفعل تدمير الحضارة المدنية في غزة والقصف المستمر إلى نمط بدائي قاسٍ.
تقول أم محمود: "وجدتُ نفسي فجأةً في خيمةٍ لا تقينا برد الليل أو حر النهار. وها أنا أعتمد على جمع الحطب لطهي طعامنا".
وتضيف: "عدنا إلى أيام أجدادنا، كل شيء أصبح بدائيًا. لا كهرباء، لا ماء صالحة للشرب، حتى الطعام أصبح صعب المنال، فيما لا تتوفر ملابس لنرتديها، ونصنع من الأخشاب أحذية كي لا نمشي حفاة".
كان أبناء أم محمود قبل الحرب يقضون أمسيتهم إما أمام التلفاز، أو يحصلون على بعض الترفيه بممارسة الألعاب عبر الحواسيب والهواتف.
الآن مع قطع "إسرائيل" للتيار الكهربائي منذ بدء الحرب، تقضي الأسرة أمسياتها أمام النار المشتعلة، تحكي أم محمود القصص لأطفالها علّها تلهيهم عن واقع الحرب والخوف.
وتخبرنا: "الحياة أصبحت قاسية، والتحديات اليومية لا تُعد ولا تُحصى، والمستقبل يبدو غامضًا في ظل الدمار الذي لا ينتهي".
ذات يوم، وبينما كانت أم محمود في زيارةٍ لجارتها في إحدى الخيام القريبة، لاحظت شيئًا غريبًا. ضوءٌ ينبعث من داخل الخيمة جذبها، فاقتربت بحذر واستأذنت للدخول، فوجدت تلفازًا صغيرًا يعمل بواسطة بطارية.
لحظة رؤية الشاشة، تجمدت أم محمود في مكانها وعيناها تملؤهما الدهشة والفرح في آنٍ واحد. كانت تلك أول مرة ترى فيها تلفازًا منذ بدء الحرب، فشعرت وكأنها قد عادت للحضارة، ولو للحظات.

قالت وهي تضحك بمرارة: "لم أكن أظن أن رؤية التلفاز ستجعلني أشعر بهذا الكم من الفرح. نسيتُ كيف تبدو الحياة العادية، كيف كان الناس يجلسون لمشاهدة الأخبار أو البرامج. الآن أصبح الأمر كالحلم".
ويقول أستاذ التاريخ في الجامعة الإسلامية بغزة د.عصام عدوان لموقع "نوى": "العالم يحيي يوم المدن العالمي للاحتفاء بالتنمية المستدامة والنهوض بالمدن كبيئة حضرية متكاملة وصديقة للإنسان، فيما تواجه المدن الفلسطينية مصيرًا مختلفًا تمامًا، إذ تم تدمير أجزاء كبيرة من التراث والحضارة الفلسطينية، مما أعاد سكانها إلى حياة بدائية غير ملائمة للعصر الحديث".
وأوضح عدوان أن غزة تعد من أكثر المناطق الغنية بالتراث والتاريخ في الشرق الأوسط على مر القرون، شأنها شأن مدن فلسطينية أخرى مثل: نابلس، والخليل، والقدس، وهي جميعها مراكز حضارية وثقافية مهمة تحمل في طياتها آثارًا تعود لآلاف السنين.
"سكان غزة ليسوا فقط شهودًا فقط على تدمير تاريخهم، بل يعيشون معاناة الحاضر، ويخشون على مستقبلهم".
وأضاف: "سكان غزة ليسوا فقط شهودًا فقط على تدمير تاريخهم، بل يعيشون معاناة الحاضر، ويخشون على مستقبلهم".
ولفت عدوان النظر إلى أن دولة الاحتلال استهدفت منذ بداية الحرب بشكل متعمد كل شيء في غزة، "وهذا الدمار المتعمد يهدف إلى إضعاف أي فرصة لعودة الحياة الطبيعية أو النمو المستقبلي في المدن الفلسطينية" يزيد.
ويمضي بقوله: "عزاؤنا هنا على فقدان مدينتنا أن سكانها صامدون فيها، ومصممون على إعادة بنائها، وليس لهم سوى الأمل رغم الأنقاض والدمار".
























