غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
تمرر الشابة أماني العرعير (31 عامًا)، يدها على بطنها لتتحسس جنينها الذي شارف على القدوم إلى الدنيا، بينما تنظر ناحية طفلها المصاب عماد، وتستذكر كل ما مرّت به من عواصف منذ بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، في السابع من أكتوبر/ تشرين أول 2023م.
داخل خيمتها بمنطقة الزوايدة وسط قطاع غزة، تجاهد الشابة من أجل رسمِ ابتسامةٍ على وجهها، وتقول: "لم يمر علي يوم واحد هادئ منذ بداية الحرب".
كانت الشابة تعيش مع زوجها وأطفالها الثلاثة مُستقرّةً في بيتِها وسط مدينة غزة، حتى أُجبرت على النزوح في اليوم الأول من الحرب إلى منزل شقيقتها، لتبدأ رحلة النزوح الكبيرة إلى جنوبي القطاع في الثالث عشر من أكتوبر، حيث صدرت أوامر إخلاء إسرائيلية لسكان غزة وشمالي القطاع للخروج نحو الجنوب "على اعتبار أنها مناطق آمنة".

تقول الشابة: "خلال مرورنا من طريق البحر نحو الجنوب، فوجئتُ بالقصف يطال سيارتنا. بدأتُ بالصراخ بصدمةٍ واستغراب (علينا القصف علينا)، لأجد طفلي عماد (8 سنوات) إلى جواري مصابًا. حملته ونزلته من السيارة أجري وسط الشارع بحثًا عمن يساعدني".
ساعدها أحد المارّة بنقلها في سيارته مع طفلها الذي تعرّض لإصابة خطيرة في صدره وظهره، وحملت معها طفلها عمر (4 سنوات). وصلت إلى مستشفى الشفاء بمدينة غزة، ووسط صدمتها بخطورة إصابة طفلها؛ تذكّرت أنها تركت طفلتها رها (6 سنوات) في السيارة مع والدها، فانهارت بالبكاء".
"بدأت ببكاءٍ هستيري. لا أعلمُ ما حلّ بطفلتي وزوجي، ولا أدري كيف تركتُهما وسط صدمتي بإصابة عماد، لم أجد أمامي سوى الدعاء بأن ينجح الأطباء بإنقاذ طفلي، وأن تكون طفلتي وزوجي بخير".
تكمل: "بدأت ببكاءٍ هستيري. لا أعلمُ ما حلّ بطفلتي وزوجي، ولا أدري كيف تركتُهما وسط صدمتي بإصابة عماد، لم أجد أمامي سوى الدعاء بأن ينجح الأطباء بإنقاذ طفلي، وأن تكون طفلتي وزوجي بخير".
بعد انتقال طفلها عماد إلى أحد غرف المستشفى، واطمئنان أماني على طفلتها وزوجها، بقيت في المستشفى لمتابعة وضع طفلها، وفي ظل الأزمة الخانقة في القطاع الطبي، ونزوح عدد كبير من الأطباء، تولّت أماني التي كانت تعمل سابقًا ممرضة، مهمة متابعة جرح طفلها إلى جانب متابعة كافة الحالات الموجودة معها في ذات الغرفة.
لم تتمالك نفسها وانهارت بالبكاء وهي تستذكر: "مررتُ على حالاتٍ في منتهى الصعوبة. لم أصدق أن هذا يحدث معنا، كنت أجري بين جثث الشهداء، وشاهدت امرأة محترقة بشكل شبه كامل نتيجة قصف منزلها، الضربة أصابت فكّها وهشمته فلم تتكلم، ولم يتمكنوا من أخذ أي بيانات عنها. وقفتُ إلى جانبها، وتعاملتُ مع جرحها، وبصعوبة تمكّنتُ من معرفة اسمها. للأسف أبناؤها الأربعة وزوجها استشهدوا جميعًا".
"شاهدت امرأة محترقة بشكل شبه كامل نتيجة قصف منزلها، أصابت الضربة فكّها وهشمته فلم تتكلم، ولم يتمكنوا من أخذ أي بيانات عنها. تعاملتُ مع جرحها، وبصعوبة تمكّنتُ من معرفة اسمها".
بعد معايشتها العديد من القصص المؤلمة التي ظلّت محفورةً في قلبها، نزحت أماني بطفلها إلى جنوبي قطاع غزة لمتابعة علاجه، خاصةً مع تعرّضه لنوبات إغماء نتيجة إصابته في صدره، ومن نزوح إلى آخر، اكتشفت أماني حملها، ولكن الصدمة، اكتشافها أيضًا لكتلة في ثديها عجز الأطباء عن تحديد ماهيتها بسبب قلة الإمكانات الطبية من ناحية، وكذلك عدم إمكانية إجراء بعض الفحوصات خلال حملها.
تقول أماني: "نزحتُ إلى خيمة. حياة الخيام قاسية تفتقد للخصوصية، بعد أن كان لي بيتي ومملكتي المستقلة والمستقرة، الآن كل شيء تغيّر، قلقي على ابني وفقداني لحياتي الطبيعية التي اعتدتها جعل حالتي النفسية تسوء أكثر، وخاصة مع تزايد صعوبة حالتي وعدم معرفتي طبيعة الكتلة التي أعانيها".
تكمل: "كنا بحاجة إلى إبرة لأخذ عينة من الكتلة، تكلفتها الأصلية 60 شيكلًا، لكنها ارتفعت إلى 1000 شيكل. اضطر زوجي لشراء ثلاثٍ منها بمبلغ ثلاثة آلاف شيكل بمقاساتٍ مختلفة. كان كل ما يهمه أن يوفر لي أي شيء يضمن سرعة الكشف عن الكتلة للبدء بالعلاج، لكن لم يكن هذا ممكنًا بسبب إغلاق المعابر، فأنا بحاجة للسفر إلى خارج قطاع غزة".
تشير أماني إلى طفلها عماد الذي كان يلعب بعدما تحسّن وضعه الصحي، وتستدرك: "حتى عماد بحاجة إلى متابعة صحية، رغم أنه تحسّن كثيرًا".
مرّت أماني بأسوأ مرحلة حمل يمكن توقّعها، إذ استشهد نحو 60 فردًا من عائلتها، نتيجة الحرب المتواصلة على قطاع غزة، إضافة إلى تلقّيها خبر قصف منزل ذويها للمرة الثانية بعد تدميرٍ سابقٍ طال البيت عام 2014م، وهو ما جعل حالتها النفسية تسوء أكثر.
تواصل: "في هذا الحمل لم تتوفر الرعاية المعتادة كما كل مرة. مثلًا الفيتامينات كانت مقطوعة، ورغم بحثي المستمر عنها، إلا أن الصيدليات كانت قد نفدت لديها الأدوية الخاصة بالحوامل"، مضيفةً: "كذلك التغذية كان وضعها سيئًا، ورغم أن زوجي لديه القدرة على توفير ما يلزمني حتى لو ارتفع ثمنه، ولكن كان يبحث بشكل متواصل. اللحوم والفواكه انقطعت لفترة كانت مهمة بالنسبة لي".
تعود أماني للنظر إلى بطنها وتمرر يدها عليه، ثم تعقّب: "ما زلتُ أبحث عن ملابس تخص الجنين، لم تعد متوفرة في الأسواق، وبصعوبة وجدت بعض القطع ووفرتها رغم أن ثمنها مرتفع جدًا".
تختم أماني حديثها وهي تحاول رسم ابتسامة باهتة على وجهها بالقول: "أتمنى أن تقف الحرب ونعود إلى ما تبقّى من حياتنا".
























