غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"داست جسدها الدبابة حتى فرمتها تمامًا، لم نجد حتى جثمانًا نودعه"، قالت أريج الجمّال وهي تبكي أمها صفية.
صفية الجمّال (62 عامًا) لم يعرفها بعدما تساوى لحمها ودمها بالأرض، إلا أولادها، من ثوب الصلاة الذي كانت ترتديه، بعد أن قُتلت "حيةً" تحت جنازير دبابة إسرائيلية أثناء اجتياح جيش الاحتلال الإسرائيلي لحي الشجاعية شرقي مدينة غزة، في السادس والعشرين من حزيران/ يونيو 2024م.
تحكي أريج: "عندما عرفنا بأمر الاجتياح، حاولنا الخروج من الحي، لكن الدبابات عاجلتنا وحاصرت المنطقة. بقينا داخل البيت منذ الثامنة صباحًا حتى وقت اقتحامه الساعة 11 ليلًا".
وكانت عائلة الجمّال، ضمن مئات آلاف العائلات الفلسطينية التي رفضت النزوح إلى جنوبي الوادي، حين أجبر الجيش المواطنين على ذلك في الثالث عشر من تشرين أول/ أكتوبر الماضي، بعد إعلانه الحرب على قطاع غزة في السابع من الشهر نفسه.
وخلال الحرب، قصف جيش الاحتلال آلاف المنازل فوق رؤوس سكانيها، ما تسبب باستشهاد أكثر من 38 ألف فلسطيني/ــة، كما اجتاح الأحياء السكنية ومنازل المواطنين الآمنين، ونفّذ جرائم قتل ممنهج بحقهم، مثلما حدث مع عائلة الجمّال.
تواصل أريج: "في الساعة 11 ليلًا، داهم الجنود الطابق الأول من البيت الذي يسكنه أخي، وكنا في الطابق الثاني أنا وأمي وأختي وطفلتها. فجروا الطابق الأول وباشروا بإطلاق القنابل، وبدأنا نحن نصرخ: نحن مدنيين، ومعنا طفلة، أنا رفعت الراية البيضاء، ولما داهم الجنود الطابق الثاني ووصلوا إلى الغرفة التي نتواجد فيها واصلوا إطلاق القنابل، وأُصبنا جميعًا".
أصعب الإصابات كانت من نصيب السيدة صفية "والدة أريج"، التي حاولت بجسدها حماية بناتها، وبدأت بالصراخ: "أنا بموت أنا بموت"، وهنا حضرت مجنّدة إسرائيلية وكشفت العباءة التي كانت ترتديها عنها، فصُدمت بناتها من هول المشهد، كان بطنها مفتوحًا بالكامل وأحشاؤها قد خرجت منه، كما تعرض صدرها لإصابات بالغة.
هنا اصطحب الجنود صفية ومعها ابنها إلى الدبابة خارج البيت بعد أن عصبوا عينيه، ورفضوا أن ترافقهم بناتها، بل صرخوا في وجوههم "اخرسوا" رغم الإصابات التي تعرضن لها جميعًا.
تقول أريج: "من بعيد لمحت أمي وقد كانت رجلها تتحرك، ما يعني أنها ما زالت حيّة، أجبرنا الجنود على مغادرة المكان، فخرجنا تمام الساعة 12 ليلًا نحو مستشفى المعمداني وسط غزة سيرًا على الأقدام وسط جو مرعب لم نتخيله في حياتنا. الدبابات تنتشر في كل مكان، أطلقوا النار علينا ونجونا بأعجوبة، كنا قلقين جدًا على والدتي، التي وصلنا لاحقًا خبر استشهادها، والإفراج عن شقيقي".
بحزن تخبرنا أريج أنهم وبعد 12 يومًا، تمكنوا من العودة إلى الشجاعية ليجدوا جثمان والدتهم مفرومًا على الأرض تحت جنازير الدبابة، متحللًا بالكامل، عرفوها من ثوب الصلاة ولم يحظوا حتى بفرصة وداعها، ولا تقبيل جبينها أو لمسها لآخر مرة، قبل دفن ما تبقّى من جسدها.
بحسرة تعقّب: "لا أدري إن كانوا ألقوها تحت جنازير الدبابة ميتةً، أم كانت على قيد الحياة".
على الجانب الآخر، وبينما تلقت الشابة خولة الجمّال (38 عامًا) خبر استشهاد شقيقتها صفية عبر الهاتف، صرخت بكل جنون "كيف صار هيك؟ كيف ماتت؟".
خولة هي أصغر شقيقات صفية، التي كانت بمثابة أمها الثانية، متعلقة بها، ومنذ نزوحها مع عائلتها إلى أحد مخيمات دير البلح وسط قطاع غزة، كانت تحرص على الاتصال بها بشكل شبه يومي.
بحسرةٍ تروي خولة: "كنت أتواصل بشكل شبه يومي مع صفية، وكانت تمنّي نفسها بيومٍ تنتهي فيه الحرب لتعيش بسلامٍ مع عائلتها (..) خلال المجاعة، كانت تخبرني أن طعامهم كان عبارة عن صلصة، وخبز جاف فقط".
وتواصل: "قبل اجتياح الشجاعية بأسبوعين اضطرت صفية لتزويج ابنها الذي كان زفافه مقررًا في ديسمبر 2023، لذا قررت إتمام زفافه خلال الحرب خاصةً بعد وفاة والده في فبراير. لوّنت شعرها بالحناء، وهو اللون الذي تعرّف ابنها على جثمانها من خلاله، لأن الشعر وحده لم يتحلل".
وتتابع: "في إحدى اتصالاتي فهمت أن ابنها شاهد لحظة دهس أمه بالدبابة لكنه رفض الإفصاح عن التفاصيل، وهو الذي يعرف تعلّقي الشديد بها، ولا يريد زيادة حزني".
تشعر خولة كما بنات أختها بالكثير من الأسى، كونها لم تتمكن من توديع شقيقتها، فليست المسافات فقط ما حالت بينهم هذه المرة، بل سحق الجثمان تحت جنازير الدبابة، حرم من كان بجوارها حتى، هذا الحق.
























