شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 30 ابريل 2026م15:48 بتوقيت القدس

ينتظران مولودهما في خيمة..

جميل وروان.. و"عرسٌ" بلا زغرودة ولا فستان!

15 يوليو 2024 - 19:22

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

تمرر الشابة روان أبو حمد يدها على بطنها وتتحسس جنينها الذي بات قدومه إلى الدنيا قريبًا جدًا.

روان حامل في شهرها التاسع، لكنها تعيش في خيمة، بعدما تزوجت قبل 9 شهورٍ تمامًا، بدون أي طقوس زفاف!

"خطبت روان في شهر يونيو 2023م، وكان موعد زفافنا في 21 أكتوبر. جهزت كل شيء، وغرفة نومي وصلت الجمعة، قبل الحرب بيوم واحد"

تشير روان إلى زوايا خيمتها المصنوعة من النايلون، وبعض قطع الملابس التي اشترتها من باعة "البالة" للمولود القادم. وتقول: "لم أتوقّع هذا في أسوأ الكوابيس"، ثم تضع يدها على كتفِ زوجها جميل وتضيف: "كل ما تمنيناه حياة بسيطة وهادئة".

يعيش جميل الشرافي (23 عامًا) وروان حمد (22 عامًا) داخل خيمةٍ من النايلون في أحد مخيمات النزوح بمدينة دير البلح وسط قطاع غزة، بعدما أجبرتهما ظروف الحرب الإسرائيلية، على النزوح من بيتهما في معسكر الشاطئ غربي مدينة غزة، حيث تزوجا هناك مع بداية الحرب دون طقوس.

يقول جميل: "خطبت روان في شهر يونيو 2023م، وكان موعد زفافنا في 21 أكتوبر. جهزت كل شيء للزفاف، ووفّرت كل ما هو ضروري لمنزل الزوجية، وحجزت سيارات الفرح والصالة، واتفقت مع مطرب شعبي لإحياء الحفل قبل يوم العرس، وحتى بدلة العروس والكوافير كلها تم حجزها، وغرفة النوم جهزتها يوم الجمعة قبل الحرب بيوم".

جميل هو عاملٌ في أحد الكافتيريات بمدينة غزة، وظل على مدار أكثر من عامٍ ونصف، يدخر كل ما يستطيع توفيره من أجل ترتيب بيته.

تقول روان: "حتى أثناء الخطوبة كنتُ أرفضُ أن ينفق دخله على الكماليات، وأصرّ على أن الأولوية للبيت"، معقبةً: "قضيت مدّة طويلة في اختيار فستان الزفاف الأبيض لأني كنت أريده بذوق خاص، وخلال شراء قطع الثياب (جهاز العروس) اخترت كل قطعة بعناية، وكل قطعة لها ذكرى عندي، وكل هذا دمره القصف".

أخذ جميل خطيبته لزيارة أهله، فحدث الاجتياح البري للمنطقة وعلقت روان هناك، فأتمّوا الزواج.

اندلعت الحرب في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، فنزحت روان برفقة عائلتها من بيتهم في غزة إلى مدينة النصيرات وسط القطاع، بينما ظلّ جميل وعائلته في غزة، وبعدما مرّ موعد زفافهما كانت روان تعاني حالةً نفسيةً سيئة، فذهب جميل لزيارتها ثم اصطحبها إلى غزة لزيارة أهله. ويومها حدث الاجتياح البري لشمالي القطاع، وأغلق الاحتلال الطرق، واحُتجزت روان برفقة خطيبها وعائلته هناك.

لم يكن بوسع عائلة جميل سوى إتمام الزواج لتبقى روان معهم، خاصةً وأن العديد من الشهداء ارتقوا من عائلة جميل. تُعقّب:" محزن أن يكون زواجي دون أي طقوس، لكن مجرد اندلاع الحرب قتلت الفرحة داخلي، ولم يعد لديّ رغبة في أي شيء".

ظلّت روان مع عائلة جميل إلى ما بعد الهدنة التي كانت في نوفمبر 2023م، ثم نزحت برفقتهم إلى تل الزعتر، ثم إلى منزل أقارب لهم في حي الشيخ رضوان.

بعدها -يروي جميل- تم قصف منزل مجاور، فاستشهد خاله وأصيب آخرون، ودخل مصابو البيت المجاور إلى بيتهم.

"أصيبت روان بالرعب، كانت حاملًا دون أن ندري. طلب مني والدي النزوح بها إلى الجنوب. ودعناهم بالدموع وخرجنا".

يخبرنا: "أصيبت روان بالرعب، كانت حاملًا دون أن ندري. طلب مني والدي النزوح بها إلى الجنوب. ودعناهم بالدموع وخرجنا".

تسند روان ظهرها إلى عمود الخيمة الخشبي، وتكمل: "مشيت مدة ثلاث ساعات إلى الحاجز حيث يتواجد جيش الاحتلال، ورأيت جثث شهداء متحللة، وأشلاء، وحدث إطلاق نار عدة مرات. كانت الشوارع وعرة وصعبة بسبب الدمار الكبير، وشعرت أن قلبي سيتوقف من شدّة الرعب".

كانت روان تحمل ثلاث حقائب من الملابس لوالدتها ووالدها، وبعض المعلبات، كانت ثقيلة جدًا، بينما هي تمشي دون أن تدري أن في أحشائها روحًا ترافقها في كل ذاك.

على الحاجز، نادى أحد الجنود زوجها جميل، فانخرطت في البكاء ورفضت أن يذهب إلى الجنود الذين شاهدت كيف كانوا يعتقلون الشبّان والفتيات وحتى الصغار وكبار السن، وهنا نادى الجندي شابًا آخر، فمضى جميل برفقة روان "والله سلّم".

مشاهد لن تمرّ بسهولة على قلب شابة، قتلت فرحتها قبل أن تبدأ. يحكي جميل بقهر: "بيتي، وجهازها الذي لم تفرغه من الحقائب بعد، وشقاء عمري كله".

وتكمل روان: "لدي فستان اشتريته أثناء نزهة لي مع جميل. اخترناه سويًا، وآخر مطرز كنت أنوي أن أرتديه في الحناء (الحفلة التي تسبق يوم الزفاف). كله اليوم تحت الركام".

في رفح، عرفت روان بحملها لأول مرة، وأن الجنين صبي، لكنها تعاني من سوء التغذية وضعف الدم.

نزحت روان مع جميل إلى خيمة في مستشفى ناصر بمدينة خانيونس جنوبي القطاع، ومن ثم إلى خيمة في مدينة رفح، وأثناء زيارةٍ لطبيب حيث عانت بعض التقلّبات الصحية، علمت بحملها لأول مرة، وأن الجنين صبي، ولكن بسبب سوء التغذية والاعتماد على المعلبات، عانت من ضعف الدم والدوار المستمر والتعب.

تقول: "تحتاج الحامل إلى الكثير من التغذية. دمي كان 13 وتدهور إلى 9. أعيش الآن في خيمة بانتظار جنيني".

لم تتوقع روان يومًا أن تستقبل مولودها الأول بهذا الشكل. "الخيمة لا تصلح لطفل، ولا يوجد حتى سرير لينام فيه الرضيع، وإن توفّر فالسعر مرتفع للغاية".

تعاني روان من لدغ الحشرات المستمر في الخيمة، فكيف بطفلها الذي سيأتي إلى هذا العالم وسط هذا الحزن كله؟ يعلق جميل: "كنت أتمنى أن أستقبل مولودي الأول بأفضل ما يكون. الآن أشتري له قطع ملابس من البالة. زوجتي على وشك الولادة ولم أستطع توفير كل ملابس المولود بعد".

ويزيد: "ليس لدي أمنيات الآن سوى أن تكون زوجتي وطفلي بخير. أن نرى الحياة بشكلها الحقيقي الذي يعيشه العالم بينما نحن في حصار مطبق"، أما روان فتختم: "أتمنى أن تقف الحرب ليعيش طفلي بأمان".

كاريكاتـــــير