غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
بألوانٍ خشبيةٍ وقلم رصاص، تتحدّى ياسمين أبو شريفة واقع المعيشة في الخيمة، وتبعات المرض الذي ترك في قلبها الصغير الكثير من القهر والألم.
تحاول الفتاة التي تبلغ من العمر (17 عامًا)، التعبير من خلال الرسم عن ما تعرضت له خلال الحرب المستمرة على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/ تشرين أول الماضي. القصف، والقتل، والتهجير، والنزوح، وضياع العام الدراسي، وحياة الخيمة أيضًا!
كان يفترض بياسمين، أن تكون الآن على مقاعد الدراسة، تشارك زميلاتها تقديم امتحانات الثانوية العامة، لولا أن الحرب هدمت أحلامها التي خططت لها طويلًا بنية التفوّق، ثم الانتقال إلى الجامعة لدراسة الطب. "لكن كل شيء تمنيته تغيّر بسبب الحرب" تستدرك بقهر وغصة.
نزحت ياسمين التي كانت في الصف الحادي عشر من بيتها في معسكر الشاطئ غربي مدينة غزة، نحو جنوبي القطاع هربًا من الموت، بعدما طلب الاحتلال من سكان مدينة غزة وشمالي القطاع، التوجه إلى جنوب وادي غزة، وصنّف مناطق سكناهم "مناطق قتال".
داخل الخيمة التي نصبتها عائلتها، ورقّعت سقفها بالقماش وأكياس النايلون، قررت استثمار موهبتها بالرسم. تستند معظم الوقت إلى عمود الخيمة الخشبي، وتبدأ بالسير مع قلمها على الورق الأبيض. على غير هدىً تخطُّ ما يدور في بالها، فتخرج بلوحةٍ تعبر فيها عن ما يختلج قلبها من مشاعر، وذكريات، وشوق للحياة الهادئة الهانئة التي كانت تعيشها في بيتها قبل النزوح.
"تجهّزت السبت للذهاب إلى المدرسة، وعندما وصلت الباب، انطلقت الصواريخ، وبعدها انتهى كل شيء!"
تقول لـ"نوى": "بدأت عام الثانوية بحماسة كبيرة، وكان يوم السبت (أول أيام الحرب البغيضة) موعد تسليم أوراق امتحان الفيزياء. كنتُ على ثقة بأنني حصلت على العلامة الكاملة، وتجهّزت للذهاب إلى المدرسة، وعندما وصلت الباب، فجأةً انطلقت الصواريخ، وانتهى كل شيء!".
تضيف: "منذ تلك اللحظة، حرفيًا أنا لا أشعر بشيء، ولا أعرف أين أنا؟ ولماذا أنا هنا؟".
بعد صمودٍ دام شهرًا بالتمام والكمال تحت نيران القصف في مدينة غزة، خرجت عائلة ياسمين المكوّنة من والديها وجدّيها وأخوتها الأربعة صوب جنوب شرقي مدينة غزة، استعدادًا للنزوح جنوبًا.
حملوا بعض الملابس التي أجبرهم الاحتلال على رميها أثناء العبور، فوصلوا يحملون بطاقات هوياتهم فقط! تروي ياسمين: "قبل خروجي من البيت بليلة، كنت أرسم في محاولةٍ لتفريغ خوفي الذي لا يمكن وصفه. رسمتُ على وقع الانفجارات العنيفة، في لحظةٍ واحدة، جاء أبي وقال لي أن أترك كل شيءٍ على الطاولة وأخرج معهم من البيت".
لشدة الخوف، تركت كل شيء، الأوراق، والألوان، ورسوماتها التي تحتفظ بها منذ سنوات، كل شيءٍ حرفيًا، لكنها لم تكن تعرف أن هذا الوداع السريع لن يكون بعده لقاء! وأن "اليومين" الذين قال والدها إنهم سيقضونها في الجنوب حتى تنتهي الحرب، صارت أشهر طويلة من العذاب والقهر والوجع.
في الطريق نحو "الأمان" كانت ياسمين شاهدًا على وحشية المحتل. "بيوتٌ مدمرة، وجثثٌ في الطرقات تنهشها الكلاب، وسيارات محترقة، وشوارع مُجرَّفة. في الطريق نحو "الأمان المزعوم" كما تصفه، عرفت أنها قد لا تعود.
وصلت العائلة إلى البريج وسط قطاع غزة سيرًا على الأقدام، وهناك استقبلهم الناس ببعض الماء. تخبرنا: "شربنا كل أنواع المياه، مالحة مع حلوة مع معدنية، من شدّة العطش لم نميّز، ثم انتقلنا إلى بيت أقارب لنا في رفح. لم يكن لدينا ملابس ولا أغطية، فتبرع لنا بعض الأشخاص بملابس لم تكن على مقاسنا، لكن المهم أنها توفرت، أما الأغطية فقد كنا ننام ملاصقين لبعضنا كي ندفئ بعض".
تجربة، على قسوتها، إلا أنها رسمت ملامح جديدة لشابة كانت مقبلة على الحياة، لكن فواجع القدر كانت تخبئ لها اختبارًا جديدًا بالنزوح مرةً ثانيةً.. إلى خيمة، بعد اجتياح الجيش الإسرائيلي لمدينة رفح.
"ذات يوم خرجت مع والدي لعمل تبخيرة في مكانٍ قريب، وقبل أن أصل سقطت على الأرض في الشارع كوني تأخرتُ واختنقت".
تعقّب: "لا يمكن لأحد أن يتخيل وضع المعيشة في خيمة! فقدان للخصوصية وانعدام للراحة، وحرّ لا يمكن تخيّله. أعاني من مشاكل جلدية تضاف إلى معاناتي من حساسية التنفس التي تفاقمت بسبب الحرب، وأحتاج إلى الكهرباء بشكل متواصل من أجل تشغيل جهاز التبخيرة، كما أن الدخان الناتج عن إشعال النار بغرض الطهي، يؤثر عليّ سلبًا ويزيد من اختناقي".
إلى جانب ياسمين، يعاني جدّها وجدتها أيضًا من الحساسية التنفسية. تحكي ياسمين: "ذات يوم خرجت مع والدي لعمل تبخيرة في مكانٍ قريب، وقبل أن أصل سقطت على الأرض في الشارع كوني تأخرتُ واختنقت. المعيشة في الخيمة تسببت في معاناة مضاعفة لي".
أمام هذا العذاب كله، وجدت ياسمين في الرسم سبيلًا تفرّغ فيه طاقتها وتعينها على مواصلة الحياة، فترسم على الورق كل شيء تعيشه، وكل المعاناة التي باتت جزءًا من حياتها اليومية.
هذه لوحة تجسّد معاناة النزوح، إلى جانبها أخرى تجسّد المعيشة في خيمة، وغيرها عن أطفال يتعرضون للقصف، لكن كل هذه العناوين مختلفة تمامًا عما اعتادته ياسمين من رسومات.
تقلّب ياسمين دفتر رسمٍ نجا معها، قالت إنها ستكمل الرسم عليه إلى أن تعود، وتعلق: "هذه صورة لفتاة أنيقة، وأخرى لشابة ترسم ابتسامة عريضة، وحتى جائحة كورونا وجدته ياسمين مجالًا لرسم فتاة بكمامة جميلة".
قبيل الحرب، كانت كل رسومات ياسمين مفعمة بالتفاؤل. ترسم طالبةً في زي التخرج، وأخرى بفستان الزفاف. ترسم الزهور الملونة، والأزياء الخاصة بالثقافات والبلدان المختلفة. "كل هذا انقلب لأن ما نعيشه سوادٌ قاتم" تقول.
وتتابع: "اليوم أرسم فقط تبعات الحرب، ومشاهد موت ودمار، وخيمة، ونزوح، وطفلٌ يبكي، وأمٌ تودع شهيدًا".
رغم ذلك، ما زالت ياسمين بحاجة للدعم. تنقصها الكثير من المواد اللازمة لهوايتها، فهي تعاني من نقص أوراق الرسم والألوان، كما أنها تتمنى لو يستطيع أحد أن يساعدها بضمان عمل جهاز التبخيرة حين تحتاجه. اللوحة التي تنشغل بها ياسمين الآن، خارطة فلسطين، يحتضنها طفل، تحدّدها بقوة، وكأنها تقول للعالم كله "رغم كل شيء، نحن ثابتون متجذرون في أراضينا، توّاقون للحرية والحياة".
























