شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 28 ابريل 2026م19:53 بتوقيت القدس

تصنع الفرح بـ"كعكة ميلادٍ" هدية..

من أطفال الخيام إلى "منتهى" الأمل.. "شكرًا"

06 يوليو 2024 - 14:09

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"طالما في نفَس داخل ونفَس طالع، معناها في مساحة للفرح والأمل"، تقول منتهى أبو معروف لـ"نوى" وتضحك.

من داخل خيمتها في منطقة المواصي غربي مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، نفضت منتهى عن قلبها كل ما يدعو إلى اليأس والركون للواقع المؤلم، فتجدها تشغل نفسها بأي شيء، "لأجل أن يبقى القلب نابضًا بالحياة" تضيف.

تخبرنا أنها لا تدعو أبدًا للتعايش مع الحياة المريرة التي فرضتها الحرب وتداعيتها من نزوحٍ وتشرد، "لكن إلى خلق لحظاتٍ من السعادة يمكن أن تحصّن الإنسان من أمراضٍ نفسية وعضوية قد تصيبه إذا ما أغرق نفسه في الهم والتفكير" تستدرك.

السيدة الأربعينية، تمسكت بقناعاتها تلك بقوة، واستثمرت إجادتها لصناعة الحلويات في تعليم الفتيات النازحات في الخيام ذلك مجاناً.

تقول: "لو كل واحد منا تحرك بما يجيد في محيطه، ونشر معارفه، سنساعد بعضنا البعض على تجاوز المحنة، ونستفيد من أوقاتنا التي يغلب عليها الملل داخل الخيام ومراكز الإيواء".

ورغم أن هذه المرأة المبادِرة خسرت شقتها السكنية في أحد الأبراج المطلة على شاطئ البحر بمدينة غزة (بعد أن تعرض للتدمير الكلي)، وخسرت كذلك بيت عائلتها الذي أصابه دمار لا تعرف حجمه في رفح، إلا أنها تتمتع بقدر كبير من الصبر والرضا، وحب إسعاد الغير.

وبعد رحلة نزوح بدأتها من منزلها في حي الرمال الجنوبي بمدينة غزة في الأيام الأولى لاندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة، عقب هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، كانت محطتها الأولى لدى ذويها في مدينة رفح جنوبي القطاع، حتى اجتيحت، ليستقر بها الحال بعدها كما مئات آلاف النازحين في منطقة المواصي غربي خان يونس.

لم تأخذ منتهى وقتًا طويلًا لتجد ما يشغل مساحة الوقت لديها، وهي المتخصصة في التعليم الأساسي، ولديها تجربة في التعليم عن طريق اللعب للفتيات من عمر 4 أعوام وحتى 20 عامًا، إضافة لخبرتها في صناعة الحلويات، وامتلاكها لشهادات من مراكز متخصصة في تعليم فنون الطهي.

لقد أصبحت خيمة منتهى مقصدًا لفتيات ونساء من النازحات في الخيام المجاورة، عن ذلك تشرح: "بدأت الحكاية عندما تذوقوا "دونات" (نوع من الحلويات) صنعته في حفل عيد ميلاد ابن شقيق زوجي، وأعجبهم طعمه كثيرًا، ومن بعدها بدأت النساء تزورني لتأخذ المقادير، أو لتتعلم طريقة صنع حلويات أخرى بالمتوفر من مقادير.

كان هذا مدخلًا لقلوب الجميع، فاكتسبت منتهى محبة الصغار والكبار، لحرصها على إهداء "كيكة عيد الميلاد" لعدد من الأطفال تباعًا.

تقول: "أهديتُ الكثير من الأطفال الذين علمت بمواعيد أعياد ميلادهم الكيكة، من أجل منحهم الفرصة للاحتفال والفرح، والهروب ولو لفترة وجيزة من أجواء الحرب والرعب".

وفي ظل عدم توفر الكثير من مستلزمات صناعة الحلويات في الأسواق جراء الحصار الإسرائيلي وإغلاق المعابر، نجَحَت "منتهى" في استخدام خاماتٍ بديلة وتدوير مواد غذائية من المساعدات الإنسانية التي تَرِد إلى قطاع غزة، وتضرب المثال بالمكمل الغذائي المصنوع من زبدة الفستق الذي استخدمته مع بعض الإضافات، كبديل عن "الكريمة" وهي الطبقة الخارجية التي تغطي بها الحلويات.

وبعد محاولتين فاشلتين في إنضاج الحلويات وإعدادها على فرن تقليدي من الطين، وضعت منتهى وغيرها من النساء أيديهن على "مكمن الخلل" ووجدت أن النار يجب أن تهدأ تمامًا قبل استخدام الفرن، وقد نجح استخدام الفرن كبديل عن غاز الطهي غير المتوفر في الأسواق.

وتحت أنقاض شقتها المدمرة في مدينة غزة، دفنت كل معدات وأدوات صناعة الحلويات، فمنتهي مثل غيرها الكثير ممن خرجوا من منازلهم خفافًا بالقليل من الأمتعة.

لم تسمح منتهى لذلك أن يشكل عائقًا بالنسبة لها، فباتت تستخدم غطاء علبة مشروبات غازية، وما يتوفر في "بيئة الخيام" من أدوات بسيطة من أجل تقطيع وتزيين الحلويات، وترى في ذلك قدرة من المرأة الفلسطينية على التغلب على قهر الواقع، وإثبات أحقيتها في حياةٍ أفضل.

وكانت الحلويات "بوابة تعارف وصداقة" بين منتهي والنازحة الثلاثينية ريم أبو شبيكة، التي امتدحت في حديثها لـ "نوى" مبادرات منتهى في المخيم، ودعمها حلقات القرآن بالحلويات من أجل تشجيع الصغار على استغلال الوقت فيما هو مفيد.

وريم (32 عامًا) هي أم لطفلين، ونزحت مع أسرتها من مدينة رفح، وتقيم في خيمة مجاورة لخيمة منتهي، التي فاجأتها بكيكة من أجل الاحتفال بعيد ميلاد أحد طفليها. تقول ريم: "إن منتهى تصنع الكيكات والحلويات من المستحيل، وبجودة عالية ومذاق رائع، رغم عدم توفر المواد والأدوات".

تداوم الفتيات في فعاليات تديرها "منتهى" ويطلقون عليها اسم (فعاليات خالتو منتهى) تقديرًا لجهودها في صناعة الفرح لهن.

وتداوم الفتيات الثلاث، لارا وبيسان الأغا وفرح الشوربجي في فعاليات تديرها منتهى، ويطلقون عليها عنوان "خالتو منتهى"، من باب تقديرهن الكبير لما تبذله من جهود، وتنظيمها فعاليات من شأنها التخفيف عن الأطفال والنساء في الخيام، كحلقات تعليم وتحفيظ القرآن الكريم، وتعليم صناعة الحلويات، وإقامة حفلاد أعياد الميلاد وسط أجواء من البهجة.

كاريكاتـــــير