شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 28 ابريل 2026م19:53 بتوقيت القدس

تعيش نزوح الخيام وطعامها مفقود..

طيور زينة وحيوانات أليفة.. ضحايا "نار" و"حصار"!

23 يونيو 2024 - 16:11

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

من مكانٍ إلى آخر في رحلة النزوح القسرية المتكررة، حرِص الشاب العشريني محمد الداهودي على اصطحاب طيوره معه. "فنحنُ بشر، ونحب الحياة والسلام والجمال، ونكره الموت والخراب والدمار" يقول لـ"نوى".

يحكي الشاب (20 عامًا) عن عشقه للطيور، متسائلًا عن سبب الاستغراب الذي يلاقيه كلما عرف أحدهم أنه كاد يفقد حياته من أجل إنقاذ طيرٍ والنزوح به من مكانٍ لآخر، واصفًا طيوره بالقول "هذه شقيقة الروح". وليست فقط الطيور، فالكائنات الأليفة من طيور، وقطط وكلاب، وحتى فئران هامستر، هي جزءٌ من حيوات أصحابها في قطاع غزة، ولهذا تبدو فكرة البحث عن نجاتها "أمرًا طبيعًا بالنسبة لهم، لا يقل أهمية عن نجاتهم شخصيًا" يخبرنا.

محمد من سكان مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة، وقد اضطر مع أسرته للنزوح المتكرر من مكان إلى آخر بحثًا عن الأمان المفقود، حتى استقر به المقام حاليًا في خيمة، يعيش فيها مع طيوره. يعقب: "أقرُّ بصعوبة تربيتها في ظل الحرب والحصار، حيث لا يتوفر طعامها والكثير من احتياجاتها، والمتوفر منها ارتفعت أسعاره أضعافًا مضاعفة",

يقضي هذا الشاب النازح حصةً كبيرةً من وقته يوميًا في تفقد طيوره والاهتمام بها، وهي بالنسبة له "مساحة الترفيه" الوحيدة، في ظل الحرب الإسرائيلية الضارية والمتصاعدة للشهر التاسع على التوالي، التي دمر الاحتلال خلالها كل مناحي الحياة، حتى ضاقت الدنيا على الغزيين بما رحبت.

"لولا هذه العصافير لمتُّ من القهر" يتمتم، ويتابع: "لم تبقِ لنا الحرب شيئًا. لقد دمّرت منازلنا وشوارعنا ومدارسنا وجامعاتنا، وحتى ملاعبنا ومقاهينا، وبالنسبة لي لم يعد هناك حياة وسط كل هذا الموت، سوى في صوت هذه العصافير".

يضطر محمد لشراء حبوب شبيهة بغذاء طيوره الأصلية، وفي كل مرة، تختلف النوعية التي يجدها عن تلك التي سبقتها! يغادر المحل وهو يأمل أن تحبها طيوره، وتقبل عليها، وإلا فإنه سيضطر للبحث عن بديلٍ مرةً أخرى.

إلى محلٍ مخصص لبيع طعام الحيوانات الأليفة، دخلت امرأتان تبحثان عن طعامٍ للقطط. تقول إحداهن وتكنى بـ "أم عيسى": "نزحت بقطتي من مدينة غزة في شهر أكتوبر الماضي، وقد نفد طعامها، واشتريت النوعية نفسها في مدينة رفح، والآن لا أجدها".

وفي العاشر من مايو/أيار الماضي، اضطرت أم عيسى وأسرتها إلى مغادرة مدينة رفح ضمن موجة نزوح واسعة، شملت نحو مليون و400 ألف نسمة، لتصبح اليوم خاويةً على عروشها، وقد تشتت سكانها ونازحوها، على وقع عملية عسكرية إسرائيلية برية.

ولجأت هذه الأسرة إلى خيمةٍ نصبتها في أرضٍ يملكها أقارب للعائلة غربي مخيم النصيرات، وتقول أم عيسى: "كان لدي القليل من طعام سمسمة (اسم القطة)، وقد نفد، وأخشى عليها وقد لاحظت انخفاض وزنها في الفترة الأخيرة، حيث اضطررت إلى شراء أنواع مختلفة لها من الطعام".

وتفرض سلطات الاحتلال الإسرائيلي حصارًا مطبقًا على قطاع غزة، وقد زادت وطأته مع العملية العسكرية البرية في مدينة رفح، واقتحام معبر رفح البري مع مصر واحتلاله وتدميره، وفرض قيود مشددة على كميات شحيحة وأصناف قليلة من البضائع التي تسمح سلطات الاحتلال بمرورها من خلال معبر كرم أبو سالم التجاري، الواقع جنوب شرقي المدينة.

ولنحو أربعة شهور، اضطر محمد الصعيدي (34 عامًا) إلى إغلاق محله التجاري المتخصص في تجارة الطيور، وبيع أعلاف الطيور وأسماك الزينة والحيوانات الأليفة، بسبب عدم سماح سلطات الاحتلال بمرورها إلى القطاع.

وقد نجح محمد في توفير كمية من الأعلاف الخاصة بالطيور بعد البحث والتنقيب عنها تحت ركام منزل مدمر في مدينة خان يونس، كان صاحبه مستوردًا لها، وقد دمرت غارة جوية إسرائيلية منزله ومخازن الأعلاف.

يقول لـ "نوى": "هذا المنزل يعود للشهيد إبراهيم أبو دقة وهو تاجر ومستورد، وتم إخراج الأعلاف من تحت أنقاضه بصعوبة بالغة بتكلفة مالية كبيرة".

وبرأي محمد فإن شح الأعلاف في الأسواق نتيجة الحصار، والتكلفة العالية في سبيل توفير الكميات القليلة، هي السبب الرئيس في ارتفاع أسعارها من 7 شواقل إلى 40 شيقلًا للكيلو الواحد، وكان قد وصل وقت اجتياح خان يونس إلى 120 شيكلًا.

"رغم تداعيات الحرب والنزوح وصعوبة الحصول على الأعلاف إلا أن من اعتاد وجود الحيوانات والطيور في حياته، يتمسك بها حتى تحت النار وفي أوقات الحرب والنزوح"

رغم ذلك يقول: "تربية الطيور وحتى الحيوانات الأليفة هي إدمان حتى في الخيام ومراكز الإيواء، ورغم تداعيات الحرب والنزوح وصعوبة الحصول على الأعلاف إلا أن من اعتاد وجود الحيوانات والطيور في حياته، يتمسك بها حتى تحت النار وفي أوقات الحرب والنزوح".

وقد انتقل محمد بطيوره ومحتويات محله التجاري من مدينة الزهراء غربي مدينة غزة إلى مخيم النصيرات، ومنه نزح إلى مدينة رفح، قبل أن يعود لمخيم النصيرات من جديد عشية الاجتياح البري الإسرائيلي لمدينة رفح. ومع كل نجاةٍ تُكتب له تحت نيران القصف الوحشية العشوائية، يفقد محمد على الدوام طيرًا من طيوره، لا سيما "طيور الحب" التي لا تحتمل جو الخوف والتوتر والحزن والحر.

كاريكاتـــــير