شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 30 ابريل 2026م11:54 بتوقيت القدس

"الخيمة" لا تشبه العيد.. "البؤس" لا يشبه أهل غزة

16 يونيو 2024 - 14:17

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"لا عيد لنا. نحن الأضحية في مذبح عالمٍ لم ينتصر بعدُ للإنسانية" تقول إيمان عامر (40 عامًا) لـ"نوى"، وتجهش بالبكاء.

أمام خيمتها غربي مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، تجلس إيمان، وتتأمل التفاصيل من حولها. اليوم عيد! أربعة أيامٍ ستمرُّ عليها ثقيلةً جدًا في مكانٍ لا يشبه البيت، وفي واقعٍ لا يصنع "فرحة العيد" التي تعرف.

أمام خيمتها المصنوعة من النايلون الأزرق، والشوادر البيضاء، تجلس وتضع يدها على خدها. تبتسم لكل من يمرُّ ويقول لها "كل عامٍ وأنتِ بخير"، وتسأل نفسها: "هل أنا فعلًا بخير؟".

لقد استيقظَت صباحًا، ورتّبت الخيمة، وارتدت اسدال الصلاة، وصلت صلاة العيد. هذا فقط، "وهذا لا يشبه أعيادنا أبدًا" تعقب.

كانت إيمان تستعد للعيد، بصيام الأيام العشر الأولى من شهر ذي الحجة، وخلالها تخرج للتسوق كل يوم. تشتري الملابس الجديدة لبناتها الأربع، وتجهّز الشوكولاته والمعمول، وتشتري المضايف الجديدة، التي تصفُّها على طاولة الاستقبال، في بيتها الذي يعج دومًا بأهلها وأقاربها المهنئين.

تضيف: "أصنع في صالون الضيافة زاويةً للعيد كل مرة، أضع فيها دمى محشوةً بالقطن على شكل خراف، ومجسمًا للكعبة، بالإضافة إلى الكثير من حبال الإضاءة، والبالونات الملونة".

تجول بناظريها في داخل الخيمة، وتقول: "هذا حال عيدنا اليوم. ننام على وقع أصوات الصواريخ، ونصحو غير مصدقين بأننا نجونا".

تجول بناظريها في داخل الخيمة، وتقول: "هذا حال عيدنا اليوم. ننام على وقع أصوات الصواريخ، ونصحو غير مصدقين بأننا نجونا ليومٍ جديد. فعن أي عيدٍ تسألون؟".

هذه المرة، لم تشتر إيمان ملابس جديدة، ولم تشتر شوكولاته، فالمتوفر غالي الثمن بينما هي تعيش بشقاءٍ كي تؤمن متطلبات أطفالها الأساسية وحسب. "العيد أن أزور بيت أهلي في ثاني أيامه، العيد هو لمّة العائلة واجتماعي بأخواتي في بيت أمي وأبي، العيد هو الصخب الذي نصنعه مع صغارنا في بيت أهالينا أثناء احتفالنا وغنائنا، العيد عيدية أبي، وحضن أمي ودعواتها. فهل مَن يردُّ لنا العيد؟" تتساءل إيمان مختتمةً حديثها.

آية حامد أيضًا، (36 عامًا)، نزحت من بيتها بمدينة غزة صوب رفح جنوبًا، ثم عادت إلى خيمةٍ في مدينة دير البلح في الوسطى بعد اجتياح الأولى.

تتساءل الأم لأربعة أبناء: "عن أي أجواءٍ وأي عيدٍ تتحدثون؟"، متابعةً: "منذ تركنا بيوتَنا، لم يدخل الفرح قلوبنا. كل ما نعافر لأجله اليوم، توفير الاحتياجات الأساسية، ومعها بعض الشعور بالأمن لأطفالنا، في بلادٍ تعيش الحرب، ويتعرض كل شبرٍ فيها للقصف والتدمير".

ترسم آية ابتسامةً باهتة ثم تواصل: "لا طقوس ولا احتفالات اليوم. كل خيمةٍ فيها شهيد. كل خيمةٍ عاشت ويلات الفقد، فقد الأب أو الأم أو الابن أو البيت حتى! فكيف يمر علينا عيد؟".

كان عيد آية بسيطًا -كما تصفه- مليئًا بالضحكات والمحبة، والصور المخزنة على ذاكرة الهاتف لملابس الأطفال الجديدة، وتجهيزات استقبال الضيوف.

تقول: "كنتُ أحضّر للعيد منذ بداية شهر ذي الحجة، أشتري احتياجات المعمول والكعك الذي أصنعه قبل العيد بيومين، ثم أستعدُّ لاستقبال أشقائي بشراء الملابس الجديدة، وأحرص على أن يتذوقوا الكعك الذي أصنعه بنفسي".

كنت أغنّي أنا وأبنائي احتفالًا، وأتابع بعض المسرحيات لأضحك. كنتُ أزور بيت عمي (والد زوجي)، وبيت أهلي.. أطمئن وأفرح. كانت طقوسي لطيفة وغير متكلفة.

في منتصف يوم العيد الأول _والحديث لآية- كنت أغنّي أنا وأبنائي احتفالًا، وأتابع بعض المسرحيات لأضحك. كنتُ أزور بيت عمي (والد زوجي)، وآكل من كعك حماتي المدوّر. كانت طقوسي لطيفة جدًا وغير متكلفة، متسائلةً بعد تنهيدة: "يااااه، من يعيد لنا يومًا من تلك الأيام؟".

تشعر آية بالحسرة، فهي لن ترى أهلها، ولن تستلم حصتها من أضحية والدها كما كل عيد. كل واحدٍ منهم نازحٌ في مكانٍ مختلف، وبعض أخوتها بقوا في مدينة غزة، حيث السفر إلى أبعد نقطةٍ في العالم أسهل من الوصول إليها -على حد تعبيرها.

في سوق دير البلح المركزي بمدينة دير البلح وسط القطاع، تبدو الأجواء عاديةً جدًا. الناس كلهم لا يكترثون إلى أن اليوم هو أول أيام العيد! الكل يسعى لرزقه، والكل يجاهد لجلب احتياجات بيته، أو غالبًا خيمته من الأكل والشرب. وجوهٌ عابسة، وملامح مصدومةٌ بقسوة العالم المحتفل في الخارج، ومئات البسطات التي تعرض بضائع متشابهة: بعض البقوليات، وبعض المسليات التي سمح الاحتلال الإسرائيلي مؤخرًا بدخولها إلى قطاع غزة! لا ملابس جديدة، ولا أوانٍ خاصة بضيافة العيد، ولا حلويات ولا شوكولاته!

يقول أحمد اسبيته (صاحب بسطة): "عندنا نسكافيه، ومسليات، وبعض الحلوى المصنوعة يدويًا للأطفال. بالطبع لم يكن هناك إقبال على الشراء، وكل المشترين يدفعهم أطفالهم للشراء فقط للإحساس بشعور العيد".

نزح أحمد من حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، ويعيش حاليًا في بيتٍ من الأسبست وسط مدينة دير البلح، ويجزم أن النّاس لا يعيرون الاحتفال بالعيد اهتمامًا، "فالقلوب متعبة، وهم مرهقون، كل ما يهمهم وقف الحرب والعودة إلى بيوتهم".

يتابع: "أنهيتُ الثانوية العامة العام الماضي، وقبل أن أدخل الجامعة، ها أنا نازح، وأبيع على بسطة في الطرقات، فأي عيد سأفكر فيه أنا وعائلتي؟"، مردفًا بصوتٍ يرتجف قهرًا: "العيد هو أن أعود لبيتي وأشعر بالأمان على نفسي وأهلي".

خالد أبو طبيخ، هو شاب آخر يبيع الشالات وأدوات التجميل على أحد أرصفة مدينة دير البلح، لكنه نازح أيضًا من مدينة غزة، ويعيش حاليًا في خيمة بمنطقة البركة غربي دير البلح.

يقول: "في غزة أيضًا كنت أبيع مستحضرات التجميل، كانت لدي بسطة أمام كابيتال مول، لكن بضاعتي كلها سُرقت. حاولت أن ألتقط الرزق هنا، لكن الناس متعبون. لا يوجد إقبال، ولم تعد ألوان الشالات، أو حتى مستحضرات التجميل تغري الشابات اللاتي هرمت قلوبهن وشاخت قبل الأوان".

يتذكر خالد جيدًا كيف كان شكل العيد قبل الحرب: "كنتُ أستيقظ بعد تعب أيامٍ طويلة في البيع تجهّزًا للعيد، أصلي في المسجد مع أخواني وأبي، ونعود لنبدأ بجولة الزيارات وصلة الرحم. كان جيبي ملآنًا بكرم الله، وكنتُ أغدق بالعيدية على أولاد أخوتي وأخواتي وأمي".

"فقدت الكثير من أقاربي وأصدقائي. وأنام وأصحو وأنا أظنُّ أن اليوم هو آخر أيام عمري! كيف أفكر في العيد؟"

يخرج يده من جيبه مقلوبًا، ويقول: "شوفوا حالنا اليوم، إذا بجيب زجاجة زيت وأنا مروح بيكون نعمة وفضل".

يطرق برأسه مفكرًا، قبل أن يختم حديثه، وتتغير ملامح وجهه: "فقدت الكثير من أقاربي وأصدقائي. وأنام وأصحو وأنا أظنُّ أن اليوم هو آخر أيام عمري! كيف أفكر في العيد؟ أنا لا أفكر حاليًا سوى بتوفير طعام عائلتي، وبعض الأمن لها ولو على حساب نفسي وصحتي، ولو على حساب فرحة العيد".

حالةٌ من الحزن تسيطر على النازحين، في وقتٍ كانت فيه أول أيام العيد دومًا مزدحمةً بالأحداث في غزة. ذاك عجلٌ هرب من أصحابه، وهذا جارٌ ذبح بيده خروفًا وغسل الشارع بعده من دمه، وهذا كيس لحمٍ وصل من أبٍ أو أخٍ أو عم، وهذه تسريحة الطفلة، وهذا عقدها، وهذا فستانها الجميل. هذه زيارات الرحم، وأطايب الكعك والمعمول الذي تتنافس في صنع مذاقه النسوة. كانت هناك أعيادٌ على بساطتها لا تشبه عيد الخيمة، ولا حرّها، ولا بؤس من يستظل بظلّها، في حربٍ لم تُبق للفرحة مكانًا، ولا للذكريات متسع.

كاريكاتـــــير