غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
حول مجسمٍ للكعبة المشرفة، طاف أطفالٌ من النازحين في مركز إيواء شهداء الأقصى بمدينة دير البلح، مهللين ومكبرين، تجسيدًا لمناسك وشعائر فريضة الحج، التي حُرم أهالي قطاع غزة من أدائها هذا العام، جراء الحرب الضارية والحصار الإسرائيلي المطبق.
وفي مشهدٍ تمثيليٍ يحاكي مشهد الحجيج، ارتدت فتيات "إسدال الصلاة"، وقد رفعن أكفهن إلى السماء، وردّدن "لبيك اللهم لبيك"، وهن يطفن حول مجسمٍ مكسوٍ بالقماش الأسود، في معايشةٍ لطواف الحجيج ببيت الله الحرام.
وضمن فعاليات المبادرة التعليمية والترفيهية لأطفال مراكز الإيواء، بادر المعلم الفلسطيني محمد الخضري إلى تنظيم فعاليةٍ للأطفال النازحين، تحاكي الحج بأسلوبٍ طفولي، وسط تفاعل كبير من الأطفال.
يقول الخضري لـ "نوى": "نفذت الفكرة بغرض "التعليم والترفيه"، فمن جِهة يتعلم الأطفال مناسك وشعائر فريضة الحج من الطواف والسعي ورمي الجمرات والوقوف بعرفة وغيرها، ومن جهة ثانية فإنها تمثّل متنفسًا لهم في ظل الضغوط الهائلة التي يتعرضون لها بسبب تداعيات الحرب الإسرائيلية المستمرة للشهر التاسع على التوالي، والظروف القاسية بفعل النزوح والتشرد".
وفي هذه الأيام، وبينما يطوف الحجاج من مختلف أصقاع الدنيا بالبيت الحرام، فإن حجاج قطاع غزة يعيشون تحت وطأة الحرب والحصار، وقد حرمهم الاحتلال من السفر للديار الحجازية المقدسة لأداء فريضة الحج، جراء الحصار وإغلاق معبر رفح البري.
وهذا المعبر، هو المنفذ الوحيد لزهاء 2 مليون و200 ألف فلسطيني في القطاع الساحلي الصغير، للسفر إلى العالم الخارجي عبر الأراضي المصرية، وقد اقتحمته قوات الاحتلال، وسيطرت عليه كليًا في إطار عملية عسكرية برية تشنها على مدينة رفح الحدودية منذ 7 مايو/أيار الماضي.
ولهذه الأيام طقوسها السعيدة، خاصة لدى الأطفال في المخيمات والبلدات والمدن في القطاع، غير أن الاحتلال يحرمهم كل هذه الطقوس، فليس هناك أي مظاهر لعيد الأضحى.
يضيف الخضري: "الأطفال هم أكثر شرائح المجتمع تأثرًا بهذه الحرب، التي حرمتهم فرحة العيد وكسوة العيد، وكذلك غابت الأضاحي التي كانت مصدر سعادتهم الأول وهم يشاهدونها في المزارع والشوارع والحواري والمخيمات".
ولتكتمل "حكاية الحج"، أحضر الخضري دمية خروف لتمثيل مشهد ذبح الأضحية، وقد عبّر الطفل يامن (12 عامًا) بينما كان ممسكًا بالدمية، عن سعادته بالمشاركة في الفعالية.
ويقول الطفل النازح من مدينة غزة لـ "نوى": "اعتادت أسرتي على شراء أضحية العيد في كل عام، لكن هذا العيد الوضع مختلف بسبب الحرب والحصار والنزوح".
ولا تتوفر في أسواق ومزارع قطاع غزة الأضاحي من الخراف والأبقار، وبحسب تجار فإن الإقبال ضعيف جدًا على الشراء، بسبب الارتفاع الهائل في أسعار الكمية المحدودة المتوفرة، حيث تمنع سلطات الاحتلال توريد المواشي للقطاع منذ اندلاع الحرب.
وكانت الطفلة لينا (13 عامًا) من بين المشاركات في الفعالية. تقول لـ"نوى": "كان من المفترض أن تسافر جدتي هذا العام من أجل أداء فريضة الحج، ولكنها لم تتمكن من ذلك بسبب الحرب والحصار وإغلاق المعابر".
ويقول الخضري: "الكثير من الأطفال الذين شاركوا في الفعالية، عبّروا عن حسرتهم لأنهم لا يعيشون أجواء العيد، وبعضهم كانوا ينتظرون سفر ذويهم للحج من أجل استقبال الهدايا، التي يعود الحجاج محملين بها عادةً بعد أدائهم الفريضة، وتدخل الفرحة على قلوب الأطفال والزوار".
ويؤكد المعلم المبادر أنه يهتم على نحو خاص بشريحة الأطفال، ويحاول في فعالياته أن يواكب مع الفتية والفتيات من النازحين/ات، المناسبات الدينية والوطنية التي مرت عليهم خلال الحرب وافتقدوا طقوسها المعتادة، مثل ما فعل خلال شهر رمضان وعيد الفطر وموسم الحج وعيد الأضحى.
يقدر عدد حجاج فلسطين هذا العام بنحو 4500 حاج وحاجة، فيما يغيب حجاج قطاع غزة المُقدّر عددهم سنويًا بـ 2500 حاج وحاجة.
وتقدر وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في رام الله تعداد حجاج فلسطين هذا العام، ويشمل طواقم من الإداريين والبعثات المرافقة بختلف تخصصاتها، بنحو 4500 حاج وحاجة، فيما يغيب حجاج قطاع غزة الذين يقارب عددهم سنويًا 2500 حاج وحاجة، ويمثلون حوالي 38% من البعثة الفلسطينية للحج.
وإضافةً إلى هذا العدد من الحجاج على القوائم الرسمية وفق الحصة المخصصة لفلسطين، تشير مصادر مطلعة إلى أن الأعداد أكبر من ذلك بكثير، مع لجوء راغبين في الحج إلى استخدام طرق ووسائل بعيدًا عن وزارة الأوقاف، أبرزها التأشيرة السياحية متعددة الزيارات، التي تصدرها المملكة العربية السعودية، رغم أن غالبيتها لا تتيح لحامليها أداء الحج.
وتصنف وزارة الأوقاف الحج وتكاليفه المالية وفق عدة مستويات، وبحسب وكيل الوزارة حسام أبو الرب، فإن "هذه التصنيفات جاءت بناءً على الخدمات المقدمة، ومدى قرب أو بعد مكان الإقامة عن الحرم المكي، وعدد الحجاج في الغرفة الواحدة، بحيث تبدأ الرسوم من 3485 إلى 5986 دينار أردني"، وفق ما أدلى به من تصريحاتٍ مؤخرًا.
























