شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 30 ابريل 2026م15:48 بتوقيت القدس

هذه قصة زينات..

إصابةٌ "ثقيلة" وصديق "نزوحٍ" جديد.. "كرسيٌ" متحرك!

13 يونيو 2024 - 15:43

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

تضع زينات الشوا يدها على خدّها، بينما تجلس على كرسيّها المتحرّك في إحدى خيام النازحين بمدينة دير البلح وسط قطاع غزة.

تحمل بين قسمات وجهها كومةً من الهمّ، وبين أضلعها آلامًا خلّفها "مُرُّ" النزوح، وإصابةٌ ثقيلةٌ "عابرة"! تقول بأسى: "لا يهدأ الألم في ظهري وفخذي. أظنُّ أن الموت سيكون أرحم من ما أعيشه الآن".

تقطب السيدة الأربعينية جبينها، وتغلق عينيها بقوةٍ وهي تحاول استعادة ما مرّت به منذ بداية العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، في السابع من تشرين أول/ أكتوبر للعام 2023م، وخلال ما تسميه هي "مذبحة الإنسانية"، التي خلّفت حتى اللحظة أكثر من 36 شهيدًا معظمهم من النساء والأطفال!

"لا يهدأ الألم في ظهري وفخذي. أظنُّ أن الموت سيكون أرحم من ما أعيشه الآن".

بعد وفاة زوجها عام 2018، بقيت السيدة زينات مع ابنتها الوحيدة، التي زوّجتها بعمر 16 عامًا، ومعهما زوجها في شقّتهم بمنطقة أبراج الشيخ زايد شرقي جباليا، شمال قطاع غزة.

وتخبرنا: "بعد مطالبة الاحتلال لسكّان الشمال بالنزوح إلى جنوبي قطاع غزة، فضّلنا البقاء في منطقتنا ظنًّا منا أنها آمنة، وأن الحرب لن تطول، لكن بعد الهجوم البري أواخر أكتوبر، أصبح الوضع خطيرًا، فاضطررت للنزوح مع عائلة ابنتي نحو الجنوب مطلع نوفمبر".

من جباليا في الشمال، إلى دوار الكويت جنوب شرقي مدينة غزة، وصلت زينات بواسطة عربة كارو، وهناك، بدأت رحلة النزوح إلى جنوب القطاع، حيث لم تتوقف أصوات الصواريخ التي كانت تنصب على رأس المدينة من كل صوب، "وهناك عشنا رعبًا تشيب له الولدان" تقول.

تظهر ملامح الخوف على وجه "زينات" قبل أن تتابع: "عندما اقتربنا من الحاجز الذي يقف عنده الجنود، طلبوا منا رفع أيادينا إلى الأعلى وإبراز بطاقاتنا الشخصية. فعلنا ذلك بينما كان صوت إطلاق النار متواصلًا.  كان يمر من بعدي شاب وفتاة، أطلقوا النار على الفتاة ولم يتمكّن أحد من الاقتراب منها وإنقاذها".

بعدها بقليل، أطلق الجنود النار مرةً أخرى على شاب وفتاةٍ غيرهما، فسقط الاثنان على الأرض، ولم يجرؤ أحدٌ على الالتفات نحوهما. تزيد زينات: "شاهدتُ بعيني شبّانًا يحتجزهم الجنود بعد تجريدهم من ملابسهم، ويضعون السلاح في ظهورهم وهم معصوبي الأعين، ولا أدري ما هو مصيرهم. الجميع كان في حالة صدمة ورعب".

وصلت السيدة إلى مركز إيواء في مخيم المغازي وسط قطاع غزة، كان يعجّ بآلاف النازحين، عانت فيه غياب الخصوصية، والصخب الشديد، وسوء الأوضاع الإنسانية نتيجة نقص الخدمات، وذات يوم اضطرت للذهاب إلى بيت ابنة أخيها في نفس المنطقة كي تتمكن من الاستحمام والوضوء والاستراحة قليلًا.

"بدأت بتجاذب أطراف الحديث مع ابنة أخي قبل أن أغادر، ففوجئت بانهيار المبنى فوق رؤوسنا جميعًا، وأصبحنا تحت الأنقاض".

تتابع: "كان ذلك في ديسمبر عام 2023م، دخلت للاستحمام والوضوء، وصليت، وبدأت بتجاذب أطراف الحديث مع ابنة أخي قبل أن أغادر، ففوجئت بانهيار المبنى فوق رؤوسنا جميعًا، وأصبحنا تحت الأنقاض".

تعرّض منزلٌ مجاور لبيت ابنة أخيها للقصف، وطال الضرر نصف منزل الشابة التي استُشهدت طفلتها على الفور، بينما أصيب غالبية من في البيت، وبينهم زينات التي استيقظت لتجد نفسها تحت الأنقاض، والباطون يجثم على ظهرها ورجليها.

"نتيجةً للسحب السريع من تحت كتل الباطون الممزقة، تعرّضتُ للتمزق في سائر أنحاء جسدي".

تكمل: "بدأتُ بالصراخ من آلام أقدامي وظهري، والباطون يغطي جسدي كله، ونتيجةً للسحب السريع تعرضّتُ للتمزق في سائر أنحاء جسدي، وساء الوضع أكثر، نقلوني بعربة كارو إلى خارج المغازي، وهناك نقلني إسعاف إلى مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح".

في المستشفى عايشت زينات معاناة أخرى نتيجة العدد الكبير من الجرحى الذي يتعامل معه الأطباء، دون وجود مقوماتٍ كافية. صرَخَت مرارًا دون وجود دواءٍ يُخفف آلامها، فاضطر شقيقها إلى نقلها مجددًا إلى مركز الإيواء دون أن تتمكن من الحركة، وهناك عانت مجددًا من نقص الخدمات، خاصةً وقد أصبحت بحاجة إلى أدواتٍ مُساعِدة، ورعاية صحيّة غير متوفرة.

في يناير 2024م، انتقلت زينات برفقة عائلة ابنتها إلى مخيم البخاري للنازحين بمنطقة البركة غربي مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، ومكثت في خيمةٍ صغيرة شديدة الحرارة، لا تتوفر فيها أي مقومات يمكن أن تساعد سيدة أصبحت بحاجة لأدواتٍ خاصة، ومتابعة صحية من الأدوية والأغذية.

تقول: "أحتاجُ إلى أدوية وإلى علاج طبيعي، ولم أحصل سوى على جلستين رغم مطالبتي بذلك، كما طالبت بعكاكيز كي أتمكن من السير، فأنا حبيسة الكرسي المتحرك منذ إصابتي"، متسائلةً بانفعال: "إلى متى سأُحرمُ من السير؟".

"تُعاني زينات أصلًا من إصابةٍ سابقة خلال مسيرات العودة عام 2018م، بطلقٍ ناريٍ متفجر، أدّى إلى تهشم عظام قدمها وقطعٍ في الشرايين".

تحتاج زينات إلى مرحاضٍ يوائم حالتها الصحية، فالمتوفر في الخيمة هو مرحاض تم إنشاؤه بطريقةٍ بدائية، وبالكاد يصلح للأصحّاء، كما تعاني السيدة أصلًا من إصابةٍ سابقة خلال مسيرات العودة عام 2018م، بطلقٍ ناريٍ متفجر، أدى إلى تهشم عظام قدمها وقطعٍ في الشرايين، وفي ذات العام توفي زوجها، وهو ما فاقم وضعها الإنساني، وجعلها بعد الإصابة الثانية أكثر معاناة.

تعقب: "أحتاجُ إلى تغذيةٍ خاصّة، بينما يتوفر هنا طعام التكيات، وهو غير مناسب. حتى المياه تتوفر بشكلٍ شحيح"، مردفةً: "أعاني بشكلٍ كبير. لا أعرف إلى متى يجب أن نستمر على هذا الحال؟ هل يسمُع صوتنا أحد؟". تشيحُ بوجهها وكأنما اكتفت بهذا السؤال خاتمةً للحديث، وبكت.

كاريكاتـــــير