شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 28 ابريل 2026م19:52 بتوقيت القدس

غزة.. الصمود بالموجود

"مقلوبة" على أصغر فرن "طينة"!

30 مايو 2024 - 15:46

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لنحو شهر، و"إلهام" تتجنب إعداد وجباتٍ معقدةٍ من الطعام تتطلب استهلاك كميةٍ كبيرة من غاز الطهي، للحفاظ على ما تبقى في الأسطوانة المنزلية الصغيرة التي نزحت بها من مدينة رفح في الثلث الأول من مايو، إثر بدء العملية العسكرية الإسرائيلية.

وتفاقمت أزمة غاز الطهي في قطاع غزة، وارتفعت أسعار الكميات الشحيحة المتوفرة منه على نحو جنوني، على خلفية اقتحام قوات الاحتلال الإسرائيلي لمعبر رفح البري مع مصر واحتلاله، وإغلاق معبر كرم أبو سالم التجاري الوحيد، ومنع توريد الوقود وغاز الطهي وشاحنات المساعدات الإنسانية.

وتعدُّ إلهام نفسها من المحظوظات وقد حظيت بتعبئة أسطوانة بوزن 12 كيلو من غاز الطهي، عبر ما تسمى "لجنة الحي" في مخيم الشابورة للاجئين بمدينة غزة، الذي كانت تقيم فيه لدى أقارب زوجها منذ نزوحها وأسرتها من مدينة خان يونس مطلع العام الجاري.

وكانت هذه آخر مرة تتم فيها تعبئة أسطوانات غاز الطهي قبل احتلال المعبر وإغلاقه. تقول إلهام لـ "نوى": "أريد المحافظة على الغاز لأطول فترة ممكنة، واستخدامه فقط في الأمور المهمة والسريعة، فلا أحد يعلم متى تنتهي العملية في رفح وتعود المعابر للعمل".

ومنذ الهدنة الإنسانية المؤقتة في نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي، يسمح الاحتلال بتوريد زهاء 84 طنًا من غاز الطهي، فيما احتياجات 2.2 مليون نسمة في القطاع ومرافقه يوميًا تقدر بنحو 200 طن، بحسب بيانات رسمية صادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي.

وعن طريق الصدفة وجدت إلهام ضالتها في فرنٍ متنقل صغير يُصنع تقليديًا من الطين والتبن. بابتسامةٍ رسمتها على وجهها قالت: "أخيرًا عملت مقلوبة"، وقد حققت بهذه الأكلة الفلسطينية الشهيرة رغبة زوجها وأطفالها الأربعة، الذين طالبوها منذ فترة طويلة بإعدادها لهم، لكنها كانت تتذرع بعدم توفر اللحم والدجاج وبالحفاظ على ما لديها من غاز.

وقد سمح الاحتلال في الآونة الأخيرة بتوريد كميات من "جناح الدجاج"، لكن لارتفاع أسعارها في الأسواق اكتفت إلهام بشراء 4 أجنحة فقط، أعدت عليها وجبة المقلوبة على فرن الطين الصغير، ولهذا الفرن حكاية خاصة.

كانت إلهام في زيارةٍ لصديقتها مريم، ورأت في مطبخها أصغر فرن من الطين تشاهده في حياتها بحسب وصفها، وقد أثار إعجابها عندما تابعت مريم وهي تشعله بسهولة بواسطة كمية قليلة من الأوراق وقصاصات الخشب، وتعد لها كوبًا من الشاي.

أثار الفرنُ فضول إلهام، ومن بين أسئلةٍ كثيرةٍ عنه سألت صديقتها: "هل يحتمل طنجرة كبيرة؟، فكان الجواب الذي شجعها على امتلاكه: "حتى طنجرة مقلوبة!".

وبمجرد عودتها إلى منزلها تواصلت إلهام وزوجها مع صانع هذا الفرن الطيني الصغير، ويُدعى أبو فايز القدرة، وابتاعت منه واحدًا وضعته في ركنٍ من المطبخ داخل منزلها في منطقة السطر الغربي، الذي عادت لتسكن فيه بعد نزوحها من مدينة رفح.

لم يسبق للقدرة أن عمل في صناعة هذه الأفران، وقد لجأ إليها كمصدر دخل من أجل توفير الاحتياجات الأساسية لزوجته وأطفاله الثلاثة.

وبسعادةٍ كبيرة تخبرنا: "كانت تجربة جميلة، وفكرة الفرن سهلة وعملية، ويمكن استخدامه في إعداد الطعام والمشروبات وتوفير الغاز للأمور المهمة والعاجلة".

ولم يسبق للقدرة أن عمل في صناعة هذه الأفران، وقد لجأ إليها كمصدر دخل من أجل توفير الاحتياجات الأساسية لزوجته وأطفاله الثلاثة، بعدما خسر "بسطة" صغيرة كان يمتلكها لبيع الأدوات المنزلية. يقول الرجل الثلاثيني لـ "نوى": "تعلمت صناعة الأفران من مراقبة صديق متخصص في صناعة الأحجام الكبيرة المعروفة منها، وبسبب أزمة الغاز قررتُ أن أعمل في صناعة أفران منزلية من الطين تساعد ربات المنازل".

ويصنع القدرة حجمين من هذه الأفران، ويعكف حاليًا على صناعة حجم ثالث هو الأصغر، ليكون مخصصًا لإعداد المشروبات الساخنة، ولا يحتاج إلى الكثير من الورق والخشب، وهذه الأحجام الثلاثة سهلة النقل من مكانٍ إلى آخر، ولا تأخذ حيزًا كبيرًا في المنازل.

ومراعاةً للظروف الصعبة التي يعيشها أهل غزة بسبب الحرب والحصار، يكتفي القدرة بمبلغ 25 شيكلًا عن الفرن الواحد من الحجم الأكبر، ولم يحدد بعد سعرًا للفرن الأصغر، ويقول: "ربنا منحني هذا الرزق لإعالة أسرتي، وأريد أن يستفيد الناس من هذه الأفران بسعر يناسبهم ولا يزيد العبء عليهم".

يحمل القدرة شهادتين جامعيتين واحدة في تخصص الخدمة الاجتماعية، والثانية في الإدارة، لكنه لم يوفق بالحصول على وظيفة منذ تخرجه.

وإضافة إلى خسارته لبسطته التي كانت تمثل مصدر رزقه الوحيد من بيع الأدوات المنزلية، فإن دمارًا جزئيًا لحق بمنزل القدرة في الحي النمساوي غربي مدينة خان يونس، وقد قرر العودة للإقامة به بعد شهور من النزوح في خيمة بمدينة رفح، التي غادرها عائدًا إلى خان يونس بعد بدء العملية العسكرية البرية.

ويحمل القدرة شهادتين جامعيتين واحدة في تخصص الخدمة الاجتماعية، والثانية في الإدارة، لكنه -وفقًا لما يقول- لم يوفق بالحصول على وظيفة منذ تخرجه، واضطر إلى العمل في مهنٍ أخرى، لكنه يبدي في الوقت ذاته قدرًا كبيرًا من الرضى بما يقسمه القدر له من رزق.

وقد بات القدرة معروفًا على مستوى مدينة خان يونس في صناعة أفران الطين المنزلية الصغيرة، ويقول: "منذ بضعة أسابيع أعمل في هذه المهنة، وقد أنجزتُ في أحسن أيامي 3 أفران، وأشعر بالسعادة من ردود الفعل الإيجابية التي تصلني من الزبائن، الذين يتزايدون يومًا بعد يوم، بسبب تفاقم الظروف المعيشية، وعودتها بشكلٍ سريع إلى البدائية القديمة".

كاريكاتـــــير