شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 28 ابريل 2026م19:52 بتوقيت القدس

أم علي.. رفيقة "الرضا" أمام نار الحطب!

21 مايو 2024 - 16:06

غزة – شبكة نوى/ فلسطينيات:

يُشرق الصباح، فترافق الشمس أم علي المصري نحو خيمةٍ متواضعةٍ صنَعَتها من أقمشةٍ باليةٍ أمام منزل زوج ابنتها في مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، حوّلَتها إلى مخبزٍ بسيطٍ تعد فيه الخبز للجيران، مقابل أجرٍ يساعدها على إعالة زوجها المريض، وأسرتها المكونة من 9 أفراد.

من الصباح وحتى مغيب الشمس، تقضي السيدة الخمسينية نهارها أمام الفرن تخبز الخبز لزبائنها كبديلٍ عن المخابز التي طالها الدمار الهائل في المدينة، التي تعرضت لعملية عسكرية إسرائيلية برية مطلع ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي.

طوال أربعة أشهرٍ من الحصار، كانت خان يونس، وهي ثاني أكبر محافظات القطاع بعد غزة، أشبه بـ "مدينة أشباح"، بعدما أجبرت قوات الاحتلال سكانها على النزوح تحت وقع جرائم مروعة، فلجأ معظمهم إلى رفح المجاورة على الحدود مع مصر، وكانت من بينهم أسرة أم علي.

هناك مكثت نحو 6 شهور، قبل أن تضطر مجددًا إلى النزوح بالعودة لمدينة خان يونس، على وقع إنذاراتٍ إسرائيلية تُمهد لعملية عسكرية برية خشي سكان رفح والنازحون فيها أن تتدحرج إلى اجتياحٍ شامل، على غرار ما شهدته خان يونس قبلها.

وتشير تقديرات وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) إلى أن 800 ألف فلسطيني أجبروا على النزوح من مدينة رفح منذ السادس من مايو/أيار الماضي، بموجب إنذارات إخلاء إسرائيلية لمناطق وأحياء شرق رفح.

لبيتها القريب من "عمارة جاسر"، توجّهت أم علي وأسرتها فوجدته كومة من الركام، ولم يكن أمامها سوى اللجوء إلى منزل ابنتها القريب.

بعد أيام استعادت خلالها عافيتها واتزانها، فكرت فيما يمكن أن يُدر عليها دخلًا يساعدها في إعالة أسرتها، وهي التي تعدُّ نفسها "عامود البيت"، فزوجها مريض وكذلك ابنها (22 عامًا). لم يطل بها التفكير حتى اهتدت إلى فكرة إقامة خيمة أمام باب البناية السكنية المدمرة جزئيًا بمشاركة محمد زوج ابنتها. وضعت فيها فرن الغاز الخاص بها، الذي حولته للعمل على الحطب والكرتون.

طوال النهار، يعمل محمد وأبناء أم علي على جمع الأخشاب والكرتون من الشوارع، ومعها بقايا الأبواب والنوافذ المدمرة، التي تهاوت على وقع القصف من البناية السكنية التي يقطنونها، وكان جنود الاحتلال قد احتلوها وأقاموا بداخل شققها طوال شهور العملية العسكرية البرية، وعاثوا فيها فسادًا وتدميرًا.

وتكتفي أم علي بأجرٍ زهيدٍ مراعاة للحالة الاقتصادية المتردية لغالبية السكان، الذين أنهكتهم الحرب الضارية والمتواصلة منذ ثمانية شهور، وفقد كثيرون منهم مصادر رزقهم ولحقوا بجيش البطالة والعاطلين عن العمل. تقول لـ "نوى": "أتقاضى شيكًلا واحدًا فقط عن كل 4 أرغفة".

ولجأ الغزيون لكثيرٍ من الوسائل القديمة من أجل التغلب على تداعيات الحرب والحصار، وابتكروا طرقًا لتدبير شؤون حياتهم اليومية، ففي الوقت الذي عاد فيه البعض إلى أفران الطين، فإن آخرين من أمثال أم علي قاموا بتحويل أفران الغاز الحديثة للعمل بواسطة الحطب والأخشاب.

وحسب أم علي، فإن أسعار الحطب والأخشاب ارتفعت أضعافًا مضاعفة، إثر زيادة الطلب عليها خلال شهور الحرب الماضية، حيث أصبحت بديلًا عن غاز الطهي، الذي تمنع سلطات الاحتلال توريده للقطاع.

وبينما أم علي تُقلّبُ أرغفة الخبز على الفرن، جاءها شاب يحمل فوق رأسه ما يسمى شعبيًا بـ"فرش العجين"، يحتوي على 30 رغيفًا من أجل خَبزها. تدخّل في حوارنا معها، فعرف عن نفسه باسم "أبو الحسن"، وقال لـ "نوى": "هذه المرأة قنوعة وترضى بالرزق القليل".

وعاد أبو الحسن (27 عامًا) مع أسرته إلى منزله في "حارة اللدادوة" بمدينة خان يونس بعد شهور من النزوح في مدينة رفح، وقد وجدوا المنزل مدمرًا بشكل جزئي، لكنهم فضلوه على حياة الخيام ومراكز الإيواء. يكمل: "صدق المثل الشعبي: "اللي بيطلع من داره بينقل مقدراه".

بعد بدء العملية العسكرية في رفح، عادت الحياة لتدب في أوصال مدينة خان يونس المجاورة لها، حيث توالت عودة السكان إلى منازلهم ومناطقهم، ومعهم نازحون كانوا في رفح، رغم أن الاحتلال دمر على نطاق واسع غالبية منازل المدينة ومرافقها وبنيتها التحتية.

ويقول أبو الحسن إن الناس تُشجع بعضها بعضًا على العودة، واستصلاح المنازل أو ما بقي منها، حتى أن عدداً من الأسر عادت إلى المناطق الشرقية من خان يونس والقريبة من السياج الأمني الإسرائيلي، ويتابع: "كلنا تعبنا من التشرد والنزوح .. بيكفي، متى تتوقف الحرب؟!".

كاريكاتـــــير