شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 28 ابريل 2026م19:52 بتوقيت القدس

فكرةٌ "نازحة".. مطبخٌ في خيمة!

20 مايو 2024 - 18:18

غزة-شبكة نوى/فلسطينيات:

"وكأن الاحتلال يلاحقني شخصيًا" قالتها ولاء النجار وابتسمت بقهر. بالكاد استعادت الشيف العشرينية توازنها، وافتتحت مشروعها الخاص في مدينة رفح، بعد نزوحها من مدينة خانيونس مطلع ديسمبر، لتجد نفسها مجبرةً على النزوح مرةً أخرى "لا تعرف لها وُجهة"، بعد بدء العملية العسكرية البرية هناك.

تتشاطر ولاء مشاعرها تلك مع كل الغزيين، الذين تركت الحرب الإسرائيلية الدموية المدمرة آثارها الثقيلة على أجسادهم ومنازلهم وممتلكاتهم على مدار الشهور الثمانية الماضية، ولاحقتهم إلى أماكن نزوحهم المتكررة، وما يزعم الاحتلال أنها "مناطق إنسانية آمنة".

وقد بدأت قوات الاحتلال عمليتها العسكرية في رفح، بعد إنهاء عملياتها التي استمرت 4 أشهر في خان يونس ودمّرت خلالها كل مقومات الحياة وشواهدها في المدينة، من منازل ومنشآت مدنية، وصناعية، وتجارية، وبنية تحتية، ومرافق تعليمية وصحية، وقد كان لولاء (29 عامًا) نصيب منه، عندما قُصف مشروعها الخاص (مركز الولاء للتدريب والتطوير).

أعادت ولاء إحياء مركزها في خيمتها، من أجل تعليم النازحات مهارات تساعدهن على افتتاح مشاريع صغيرة، والتخلص من الضغوط النفسية الهائلة الناتجة عن الحرب.

ولأنها تتمسك بإرادة الحياة، أعادت هذه الشابة المثابِرة إحياء مركزها في خيمتها، من أجل تعليم النساء النازحات مهارات تساعدهن على افتتاح مشاريع صغيرة، تمنحهن الفرصة من جديد للاندماج والتخلص من الضغوط النفسية الهائلة الناتجة عن الحرب، والمساهمة في إعالة أسرهن للتغلب على أعباء الحياة القاسية.

عندما فكرت ولاء في تحويل خيمتها إلى مركز للتدريب أرادت -كما تقول لـ "نوى"- ألا تعتاد وغيرها من النساء النازحات على حياة الخيمة والتشرد والنزوح، وأن يبدعن من خلال استغلال الوقت في تعلم مهارات جديدة، "فذلك من شأنه دعم النساء نفسيًا، ومساعدتهن على تحقيق ذواتهن، وعدم الركون لليأس والإحباط".

عندما اضطرت ولاء للنزوح عن مدينة خان يونس، وقد خسرت مركزها الذي تصفه بأنه كان "بيت العيلة" لكل مرتاديه من مدربين وطلبة، لتعلم اللغة الإنجليزية، وفنون ومهارات الطبخ والتطريز والإسعافات الأولية، أدركت أن للنزوح آلام تضاهي تلك التي شعرت بها عندما رأت مركزها وحلمها ينهاران أمام ناظريها بفعل انفجارات صواريخ صماء لا ترحم. فجأةً وجدت نفسها في خيمة لو استسلمت لواقعها، لوجدت نفسها في عمق معاناة التشرد، بجراحٍ غائرةٍ في النفس والمشاعر والأحلام حتى.

هنا حدّثت نفسها "لابد من النهوض من جديد، لا ينبغي عليَّ أن أستسلم، وعلي أن أبدأ، وإن من هذه الخيمة".

في البداية روجت ولاء لفكرتها في أوساط النساء في الخيام المجاورة، فوجدت منهن ترحابًا شجعها على وضع فكرتها موضع التنفيذ، وما أن أعلنت عن افتتاح "المركز الخيمة" بذات اسم مركزها المدمر في خان يونس، حتى فاضت الخيمة بنساءٍ وجدن في هذه المبادرة فرصةً للتفريغ النفسي، وتعلم مهارات حياتية متنوعة.

لم يمهل غزو الاحتلال لشرق مدينة رفح، وحالة الهلع التي أصابت نحو نصف المدينة، وأجبرت مئات الآلاف على النزوح نحو "اللامكان"، الشيف ولاء لتثبت دعائم مبادرتها، وتحقق هدفها الأكبر بخلق نساء رياديات، وتأهيلهن لسوق العمل مباشرةً، بعد تعليمهن فنونًا مختلفة ومهارات متنوعة. اجتيح شرق رفح، وألقت الطائرات على رؤوس القاطنين فيها قصاصات تحمل أوامر الإخلاء.

تقول: "تركز مبادرتي على النساء لأنهن الأكثر تضررًا من الحرب بالنزوح والتهجير، ومنهن زوجات الشهداء ممن أصبحن -دون أي مقدمات- معيلات لأسرهن، ومسؤولات عن تدبير احتياجات أطفالهن".

وبإصرارٍ تضيف: "رغم النزوح الكبير من رفح، إلا أن المبادرة ستستمر في أي مكان؛ لأن إرادة الحياة يجب أن تنتصر على جرائم القتل والتدمير".

التحديات كانت ولا تزال كثيرة ومركبة أمام مبادرة يحتاج تنفيذها إلى مقومات تتعلق بالكهرباء والمواد الخام، "وهذا نوعٌ من الترف" في القطاع المحاصر.

لم تتغلب ولاء على النزوح وحده، فالتحديات كانت ولا تزال كثيرة ومركبة أمام مبادرة يحتاج تنفيذها إلى مقومات تتعلق بالكهرباء والمواد الخام. "وهذا نوعٌ من الترف" في القطاع المحاصر الممنوعة عنه كل أساسيات الحياة ما عدا الهواء، بالتزامن مع الحرب العسكرية القاتلة المدمرة التي أعلنتها "إسرائيل" في السابع من أكتوبر للعام الماضي.

ولأن القطاع يغرق في الظلام منذ اندلاع الحرب، إثر قطع الاحتلال شبكة الكهرباء، ومنع توريد الوقود لمحطة التوليد الوحيدة، اضطرت ولاء إلى العودة للأدوات والأواني البدائية بدلًا عن تلك الحديثة التي تعمل بالطاقة الكهربائية، واستبدلت مكونات غذائية بأخرى أقل جودة، تُوزَّعُ غالبًا في سلال المساعدات الإغاثية.

هذه العودة إلى الحياة البدائية جعلت الوصفة التي يحتاج إنجازها إلى ساعة، تستنزف وقتًا مضاعفًا، مع كثيرٍ من الجهد والتعب، لكن ولاء تقول "تشعر النساء بالسعادة عندما تنضج الوصفة بأقل الإمكانيات، وبمذاق جيد رغم الظروف القاهرة".

ومن أوائل النساء اللواتي سجّلن في مبادرة مركز "الولاء"، فاطمة جعرور (23 عامًا)، وهي أمٌ لثلاثة أطفال، وقد نزحت مع أسرتها من مدينة غزة بعد 60 يومًا تصفها بأنها "فيلم رعبٍ حقيقي"، وتقول لـ "نوى": "قصفوا بيتنا في غزة، وجوعونا، واضطررنا للنزوح إلى رفح، ويلاحقوننا أيضًا هنا، فأين سنذهب، ولم يعد هناك أي مكان صالح للحياة في قطاع غزة؟".

وسجلت فاطمة في المبادرة -بحسب قولها- من أجل "تغيير الجو، وتعلم وصفات حلوة تعدها لأطفالها، وتساهم في التفريغ النفسي عن الأسرة، "في ظل حربٍ مجنونة لا أحد يعلم متى ستتوقف، فينتهي مسلسل الدم والرعب هذا".

ومثل فاطمة ترغب لبنى جبر (21 عامًا) وهي نازحة من مدينة غزة، في خوض تجربة جديدة تتعلم من خلالها أنواعًا وأصنافًا جديدةً من الطبخ، وتقول: جئت من أجل التعلم وتفريغ طاقتي بالطبخ".

ولختام مقاط (34 عامًا) هدفٌ مختلفٌ عن فاطمة ولبنى، فهي أم لخمسة أبناء، واضطرت للنزوح بهم من شمالي القطاع إلى بلدة القرارة، ثم إلى حي الأمل غربي مدينة خان يونس، ومن هناك إلى مدينة رفح.

تقول لـ "نوى": "وضعنا المعيشي سيء جدًا، وأرغب في تعلم أشياء جديدة وتعليمها لابني، ثم افتتاح مشروع صغير يساعدنا في تدبير احتياجاتنا الأساسية. هذا إن انتهت الحرب، وكتب لنا منها النجاة".

كاريكاتـــــير