غزة:
صبيحة كل يوم تعدّ المواطنة أم أشرف أحمد (45 عامًا)، مائدة إفطارٍ من الطعام الفلسطيني التقليدي: الفول والحمص وأقراص الفلافل، بينما يتوسط الطاولة طبقًا من "الفلفل الأحمر" الحار! "وهو أهم من كل ما سبق ذكره" تقول السيدة وتضحك.
الفلفل الأحمر، صديق مائدة الفلسطينيين في قطاع غزة، إذ اشتهروا بحبهم لطعمه "الحرّيف"، ومذاقه اللاذع، ورائحته النفّاذة، حتى أنه دخل في معظم وصفات طعامهم، وفي أحيان كثيرة "ساندويتش" لفسحة المدرسة.
تتابع أم أشرف: "يقولون إذا أردت أن تصطاد غزاويًا، انصب له فخًا من الفلفل"، وتزيد: "الفلفل مكوّن رئيسي على المائدة الغزية فنكهته تفتح الشهية، ومع دخول الموسم كل عام نشتري صندوقًا كاملًا، ونطحنه ثم نضيف إليه الملح ونخزنه. تكفينا الكمية عامًا كاملًا".
وكما الحال في بيت أم أشرف، تنتشر عادة تناول الفلفل الأحمر مع الطعام بين الغزيين الذين تروي الحكايات أن بداية انتشاره بينهم، كانت من حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، لينتقل منها إلى كافة مدن ومحافظات القطاع.

وقد درج الغزيون مع بدء موسم قطف الفلفل كل صيف، على شراء كميةٍ كبيرةٍ منه، وخرطها أو طحنها، وتخزينها، لتبقى صالحةً للاستخدام على مدار عامٍ كامل.
مع بدء شهر أيلول/ سبتمبر، بدأ المزارعون الفلسطينيون في قطاع غزة، قطف الفلفل الأحمر عن الأشجار، وتعبئته في صناديقٍ من الكرتون وأكياس النايلون الزرقاء؛ لبيعها في الأسواق المحلية، لكن تبعات التغير المناخي لاحقته.
يقول المزارع حمدي شملّخ (54 عامًا): "حصاد الفلفل يبدأ منذ منتصف يونيو ويستمر حتى مطلع أكتوبر، وتزداد كميات الإنتاج مع بداية انخفاض درجات الحرارة، حيث يصبح المحصول أحمر اللون وأطيب في المذاق".
ويضيف: "كميات الفلفل هذا العام قليلة مقارنةً بالعام الماضي بسبب ارتفاع درجات الحرارة نتيجة التغير المناخي، وذبول الأوراق ومن بعده المحصول"، مردفًا بالقول: "قبل حالة التغيير المناخي، كان يباع صندوق الفلفل الأحمر للزبون بـ 15 شيقلًا، ويرتفع بالكاد لـ 18 في بعض الأوقات، لكن سعره اليوم يبلغ 25 شيقلًا، وهذا سعر جيد بالمقارنة ببعض السنوات الماضية حيث وصل سعره لـ35 شيقلًا".

وتتم زراعة الفلفل حسب شملخ بحرث الأرض بدايةً ثم زراعتها بالأشتال، وسقايتها وفق عملية التنقيط، وتغطيتها بالنايلون مدة شهرين حتى ينمو الفلفل بلونه الأخضر، ليترك بعدها مدّة أخرى حتى يتحول إلى الأحمر، موضحًا أن الدونم الواحد من الفلفل يُعطي ربحًا قدره ألف شيكل فقط.
سرعان ما يُباع الفلفل الأحمر لأصحاب المتاجر والمطاعم، وللجمعيات التي تعمل في مجال التصنيع الغذائي، وجمعية "بنت الريف" التعاونية واحدةٌ منها.
تقول خديجة الكيلاني مديرة جمعية بنت الريف: "الفلفل الأحمر هو منتج تراثي شعبي يحبُّهُ غالبية الناس، ويدخل في الكثير من المأكولات، مثل الحماصيص، والسماقية، والخبيزة، والمناقيش، ونحن ندخله في الكثير من إنتاجنا".
وحسب الكيلاني، فإن الناس يُقبِلون على تخزينه حيث يزداد استهلاكه شتاءً، وتبيع منه الجمعيات كميات كبيرة. تعقّب: "نحن نخزّن سنويًا ما مقداره طنًا كاملًا ويتم بيعه (..) أنتجنا إلى جانب الفلفل الأحمر المخروط والمخزّن بالملح، نظام هريس الفلفل الأحمر، الذي يتكون من فلفل مطحون لدرجة الناعم جدًا، مضاف إليه الملح والخل والثوم".
وتزيد: "حين ينقطع الفلفل الأخضر شتاءً، يقبل الناس أكثر على الفلفل الأحمر، لمذاقه اللاذع المحبب، ولإكساب أجسادهم بعض الحرارة والدفء"، متابعةً: "الأسعار هذا العام مرتفعة نسبيًا، وهذا يؤثر على قدرة الجمعيات على التخزين، فكثيرًا ما يلجأ تجار لخلط الفلفل الأحمر المخروط بكميات من مياه المخلل أو الفلفل الحلو المعروف باسم "الفليفلة"، وهذا ما لا تفعله الجمعيات التعاونية، فيبقى سعرها مرتفعًا قياسًا بالتجاري.

توضح: "سعر الزجاجة لدينا 6 شواكل مقارنة بثلاثة شواكل للمخلوط، خاصةً أننا لا نستخدم أي مواد حافظة. هناك أناس يميزون الفرق وآخرون لا، لكن جودة الفلفل السليم ليست كالمخلوط، ولا حتى الطعم، ولا اللون، ولا الرائحة"، مضيفة: "الفلفل الأحمر يستطيع الصمود لعامٍ كامل إذا تم إعداده بشكل جيد ومكان نظيف، وما لم يتعرض للحرارة".
وتقدّر مساحة الأراضي الزراعية المزروعة بالفلفل بنحو 2000 دونم، وقد تزيد في بعض الفترات، حيث يصل احتياج قطاع غزة منه سنويًا إلى 1500 طن يستخدم في الصناعات التحويلية.
ويقول الناطق باسم وزارة الزراعة م.محمد أبو عودة عن الفلفل الأحمر: "الفلفل أحد الخضراوات التي تقوم عليها بعض الصناعات التحويلية، الناتجة عن الثقافة الغذائية للناس التي تعتمد على الفلفل الأحمر، فيباع إلى تجار التخليل، أو تجار التجزئة".
ولكن هذا العام شهد انخفاضًا في كافة المنتجات الزراعية من خضار وفواكه نتيجة للتغير المناخي وفقًا لأبو عودة، الذي يتابع: "الفلفل هذا العام هو أحدها، حيث هيمن فصل الصيف فترةً طويلة، ما جعل الأشتال تموت قبل أن تصل إلى مرحلة الإزهار والإثمار".
وأكمل: "وزارة الزراعة تعمل حاليًا بالشراكة مع المؤسسات العاملة في المجال الزراعي والمزارعين، على وضع استراتيجيةٍ للتكيف مع تبعات التغير المناخي في المرحلة القادمة، وقد تم رفع العديد من المشاريع للجهات المعنية بهذا الموضوع، ومن ضمن تلك الخطوات، اعتماد زراعة الظل، والمشاتل، والعمل على تزويد المزارعين بأجهزة إنذارٍ للتعامل مع ظاهرة التغير المناخي".
ويُعرف الفلفل بفوائده الكثيرة، فهو يحتوي مواد تقلل نسبة الكوليسترول في الجسم، ويقلل الإصابة بتصلب الشرايين، كما عرفه العرب قبل أكثر من 1500 عام، إذ ورد ذكره في قصيدة "حكّم سيوفك في رقاب العذل" لعنترة ابن شداد حين قال:
أنا ابنُ سوداءِ الجبينِ كأنَّها ضبعٌ ترعرع في رسوم المنزل
الساق منها مثل ساق نعامة والشعر منها مثل حب الفلفل



























