شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 30 ابريل 2026م14:44 بتوقيت القدس

"مُسنّات" على مقاعد الدراسة.. "العلم لا يشيب"

10 سبتمبر 2023 - 12:49

غزة:

"لم أذهب في حياتي إلى مدرسة، ولا أعرف حتى حروف الهجاء"، قالتها الحاجة انشراح شاهين (76 عامًا)، بينما كانت تحاول كتابة بعض الكلمات التي تعلّمتها للتو داخل قاعة جمعية رعاية كبار السن بغزة.

وتكمل: "لطالما تمنيت أن أتعلم لأعتمد على نفسي في أشياء كثيرة: قراءة القرآن، وزيارة الطبيب، وقراءة اسمه على اللافتة المقابلة لباب عيادته، وقراءة الروشتة. أنا هنا اليوم لأحقق هذا الحلم، ولو أن الوقت تأخر إلا أن تحقيقه ليس مستحيلًا".

وتشكل جمعية رعاية كبار السن، ملتقىً مهمًا لكبار السن في قطاع غزة، من حيث مساندتها لهم في تقديم الرعاية الصحية، والنفسية، والتعليمية أيضًا، التي تتمثل بافتتاح صفوف محو الأمية لهم لتعليم من لم يحظَ بفرصةٍ للتعلّم منهم أصول القراءة والكتابة.

الحاجة انشراح، هي واحدة من نحو 20 سيدة، انخرطن في دروس محو الأمية التي تقدمها الجمعية منذ سنوات. وبمناسبة اليوم العالمي لمحو الأمية، الذي يصادف الثامن من أيلول/ سبتمبر من كل عام، كثّفت الجمعية دروسها للملتحقين بحلقات التعلم من كبار السن، ليستمر الاحتفاء بهذه القيمة العظيمة "قيمة التعلم"، على مدار الشهر كله.

على مقاعد الدراسة، تتبادل النساء الحديث حول تجاربهن مع الحياة، التي تبرز قوة عزيمة كل منهن وإصرارها على مواصلة التعلم. بالعودة إلى انشراح، تقول: "لم ألتحق بالتعليم حين كنت صغيرة بسبب ظروف الهجرة والنكبة عام 1948م التي عاشَها والدي. كان والدي يخاف عليَّ أنا وأخواتي، ومثلنا كانت الكثير من الفتيات. لم يتعلمن بسبب الخوف عليهن من قبل أهاليهن".

انشغلت العائلات الفلسطينية حينها كما تروي السيدة انشراح بظروف حياة اللجوء القاسية، منتظرين العودة إلى مدنهم وقراهم، وهذا شكّل حاجزًا مع التعليم بشكل عام.

تجلس السيدة السبعينية إلى جانب معلمتها التي شارفت على إنهاء العقد السادس من عمرها، تحاول التفرقة بين الألف اللينة والألف المقصورة، وهي التي تعاني بشدة نتيجة تقدمها في العمر من صعوباتٍ شتى في عملية التعلم.

تضيف: "التحقت بهذا البرنامج منذ عامين. الآن أجد صعوبةً إلى حد ما بالقراءة والكتابة، ولكنني صرتُ قادرة على قراءة القرآن والرسائل على الجوال، وأسماء الأشخاص، وهذا مهم، كما أحاول التدرّب على إتقان ذلك أكثر خلال الفترة القادمة".

أما زميلتها سمية بركات (60 عامًا)، فقالت: "التحقتُ ببرنامج التعليم من أجل تحسين قدرتي على قراءة القرآن وكتابة الآيات التي أود تذكرها بشكل دائم".

وتكمل: "التحقت بالبرنامج من بدايته، وما زلت مستمرة. منذُ التحقتُ بالجمعية، تعلمت التطريز وحياكة الصوف، وتعلّمت التلاوة، وشعرت بحاجة ملّحة لتعلّم القراءة والكتابة".

استشهد والد سمية منذ كانت في الثالثة من عمرها برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي، فعانت آلام الحرمان من الأب ومعاناة الأمية، وكثيرًا ما أجهشت بالبكاء كلما رأت أشخاصًا يقرأون بسرعة، وبقوة، بينما هي لا تعرف ولا تستطيع "شعورٌ جارحٌ دفعني للتعلّم منذ عامين وما زلتُ أُواصل".

تكمل: "واجهتُ صعوبةً شديدة في تعلّم الحروف وتكوين الكلمات، كنتُ أكتب الكلمة من 100 إلى 200 مرة حتى أحفظها تمامًا، ولو تطلب أكثر من ذلك لا يهمني، المهم أن أحفظ".

كانت السيدة تتوجه إلى الجمعية برفقة حماتها التي توفيت قبل سنوات، بينما استمرت هي في المجيء وحدها بعد ذلك، لتنخرط في أنشطة الجمعية المختلفة، بما فيها الكتابة التي عانت كثيرًا في تعلّمها، والتي واجهتها بالتكرار.

المعلمة يسرى مطر (69 عامًا)، التي كانت تتنقل كزهرة برية بين النساء، وتعطي كل واحدةٍ من العلم ما يناسب احتياجها الخاص، من تتقن الحروف، ومن لا تتقنها، ومن تخلط بين بعضها، ومن لا تخطئ بعلامات التنوين. السيدة التي عملت سابقًا معلّمة للغة العربية مدة 20 عامًا بالمملكة العربية السعودية، وعادت إلى قطاع غزة لتعمل في نفس المجال، قررت بعد التقاعد أن تبدأ مرحلةً جديدة قوامها الإنتاج والعطاء، فانضمت إلى جمعية رعاية كبار السن، رغبة منها في المشاركة بأنشطتها ورحلاتها، ثم سرعان ما تشجعت لتنظيم محاضرات محو أمية لقريناتها من النساء.

تقول: "في البداية، لاحظتُ أن لدى النساء صعوبة في قراءة وتدبر القرآن، فعزمت على تعلميهن، وخاصةً التنوين، كي يقرأن القرآن بشكل سليم، كما أن التعلّم مفيد لهن في حياتهن عمومًا".

وتكمل: "الاحتلال الإسرائيلي مارس خلال فتراتٍ طويلة، سياسة تجهيلٍ تسببت في وجود نسبةٍ من الأمية في فلسطين، لكن الشعب الفلسطيني المعروف بحبه للتعلم كسر ما رمى إليه الاحتلال".

وتابعت: "هناك عدد كبير من النساء التحقن بالتعليم لمحو الأمية. في هذا الفصل لدينا 20 سيدة، وهناك أخريات في فصولٍ أخرى"، مشيرةً إلى أن بعض النساء وجدوا أهمية كبيرة في تعلم القراءة والكتابة خلال هذه المرحلة العمرية، نتيجة رغبتهن في التواصل مع أبنائهن وأحفادهن عبر الرسائل أو أي وسيلةٍ أخرى. "وليس هذا وحسب، حتى قراءة اسم الطبيب، أو الوصفة الطبية، أو أسماء الشوارع. هذا كله يجعلهن قادرات على الاعتماد على أنفسهن بشكل كبير".

وبالتزامن مع اليوم العالمي لمحو الأمية أصدر الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني بيانًا قال فيه "إن نسبة الأمية في الضفة الغربية تبلغ 2.4% بينما تنخفض إلى 1.8% في قطاع غزة؛ غالبتيها في الفئة العمرية التي تزيد على 65 عامًا".

 

كاريكاتـــــير