شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 20 ابريل 2026م22:12 بتوقيت القدس

بسبب عدم تقبل المجتمع وانتقاداته..

أُمّهات أطفال التوحد.. "العُزلة" القسرية!

25 يونيو 2023 - 11:18

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

حوّلت جزءًا من منزلها إلى حديقة خضراء، ووضعت فيه ألعابًا ملونة. هكذا اكتملت عزلتها التي فرضها عليها المجتمع لرعاية طفلها وحدها، بعيدًا عن مراقبة، ونصائح، وانتقادات الآخرين.

الحياة التي تعيشها سوسن إسماعيل (45 عامًا) مكتظة بالتحديات التي بدأت تقف في وجهها تباعًا بمجرد أن اكتشفت إصابة طفلها هادي (6 سنوات) باضطراب طيف التوحد عندما كان بعمر العامين.

تقول لـ"نوى": "آنذاك بدأتُ أُلاحظ عليه حركات لم أعتدها في شقيقته الأكبر منه بثلاثة أعوام (فرح) عندما كانت في نفس عمره، وأبرزها عدم الاستجابة لأي أحد من الأسرة عند مناداته، وغياب تعبيرات وجهه لو تعرض لموقف ضحك أو ألم، وكان كثير الحركة والصراخ بشكل مفرط".

أدركت سوسن أن الأمر يستدعي عرضه على طبيب، فكانت المفاجأة: "طفلك يعاني من اضطراب طيف التوحد بدرجة متوسطة، ومع التأهيل والتدريب والرعاية الصحيحة، يمكن أن يتحسن".

في المنزل، تحاول سوسن قدر المستطاع، التعامل مع هادي بشكلٍ طبيعي حتى لا يشعر بأنه مختلف عن شقيقته، "لكنه لا يشعر بالأمان سوى معنا -تحديدًا معي كأمه- كنتُ آخذه معي في كثيرٍ من الزيارات العائلية لدمجه مع الأطفال، لكنني قوبلت بكثير من الانتقادات والهمز واللمز، وهذا سبب لي إزعاجًا كبيرًا فقررت المكوث في المنزل معه، واصطحابه لمركز التأهيل فقط" تستدرك.

لا تتحمل سوسن ما يتعرض له هادي، لا سيما إذا لاحظت رد فعل عنيفٍ على تصرفاته من قبل أحد الأقارب.  تذكر أنه رافقها في إحدى الزيارات، وبينما كان هادي يلف ويلعب مع نفسه؛ صرخت عليه صاحبة البيت بعصبيةٍ وقالت له: "بكفي خلص دوختني"، ونصحتها بعد اصطحابه معها في المرات القادمة لأي مكان، كي لا تسبب لنفسها الحرج.

في قطاع غزة يعيش أطفال التوحد وأمهاتهم ظروفًا استثنائيةً مختلفة بسبب النظرة المجتمعية، التي قد تجعلهن أسيرات منازلهن. ناهيكم عن تدهور الأوضاع المعيشية والاقتصادية التي لا تسمح لهن بعلاج أطفالهن وتلبية احتياجاتهم المضاعفة بسبب المرض.

ولا توجد أي إحصائيات دقيقة لعدد المصابين بطيف التوحد في الأراضي الفلسطينية، لكن تقديرات أخصائيين أشارت إلى أن أعدادهم تفوق خمسة آلاف طفل، بينما بيّنت الأمم المتحدة في تقريرٍ صدر نهاية  عام 2018م، أن حوالي 1% من سكان العالم مصابون بمرض التوحد، أي حوالي 70 مليون شخص.

اضطرت ليلى بعد ضغوطاتٍ مجتمعيةٍ لترك وظيفتها، من أجل الاهتمام بطفلها  المصاب باضطراب طيف التوحد بشكل خفيف.

اضطرت ليلى سمير (37 عامًا) بعد ضغوطاتٍ مجتمعيةٍ تعرضت لها من المحيطين، لترك وظيفتها، من أجل إسباغ الاهتمام بطفلها محمد (5 أعوام) المصاب باضطراب طيف التوحد بشكل خفيف.

تقول: "منذ بداية تشخيصه، أدركت أنني أمام طريق صعب مليء بالتحديات النفسية، والمجتمعية، والمادية نظرًا لطبيعة الظروف بغزة. المجتمع لا يدرك معنى أن تكوني أمًا لطفل متوحد، في الوقت ذاته، لا أحد يشعر به مثلك".

تضيف: "في بداية الأمر، كنت أذهب للعمل وأصطحب محمد لحضانة طوال ساعات عملي. كانت الحضانة تساعد في تأهيله ودمجه وتطوير قدراته ومهاراته، لكن على الضفة الأخرى كانت تنهال علي الاتهامات بأني مهملة لطفلي، وأضع عملي على رأس أولوياتي، والمفترض أن أجلس معه في المنزل طوال الوقت كونه وحيد".

تتابع ليلى حديثها بينما هي منشغلة بإعداد وجبة المعكرونة التي يحبها محمد: "لا يدرك الناس هنا معنى تأهيل طفل في وضع ابني. الأمر ليس بالهين، وكأم أتعامل بشكل دقيق معه، بمعنى أنه لو خرّب أو كسّر أو صرخ، أحاول أن تكون ردود أفعالي هادئة بعيدًا عن الصراخ أو الانفعال".

لا تصطحب ليلى معها محمد إلى الزيارات العائلية، كي لا تشعر بمضايقته للمستضيفين، ولا تعرض نفسها لأي انتقادات.

غالبًا، لا تصطحب ليلى معها محمد إلى الزيارات العائلية، كي لا تشعر بمضايقته للمستضيفين، ولا تعرض نفسها لأي تساؤلات وانتقادات قد تجرحها وتضايقها أكثر.

وتنبه والدة محمد إلى أن عملها كان ضروريًا كون المصاريف تزداد، فهو يحتاج لأكثر من 500 شيكل شهريًا، بين رسومٍ للمركز التأهيلي، وإيجار باص، ومصاريف أخرى ذاتية، وزوجها بالكاد يستطيع توفيرها فهو يعمل سائق تاكسي، ودخله الشهري متذبذب.

بدورها، أوضحت رؤوفة سلامة أخصائية تنمية قدرات أطفال التوحد في جمعية الحق في الحياة لـ "نوى"، أن  اضطراب طيف التوحد هو حالة ترتبط بنمو دماغ الطفل، وتؤثر على كيفية تمييزه  للآخرين، والتعامل معهم على المستوى الاجتماعي، مما يتسبب في حدوث مشكلات في التفاعل والتواصل الاجتماعي.

وتقول: "ويتضمن الاضطراب أنماطًا محدودة ومتكررة من السلوك، تختلف من طفل لآخر بدرجات بين الطفيفة والمتوسطة والشديدة"، ملفتةً إلى أن أعراض الإصابة تظهر على الطفل بعد عمر العام، وكلما تم اكتشافها في سن مبكرة، كلما كان من السهل إحداث فارق في تأهيله.

ووفق سلامة، فإن المسؤولية الأكبر في رعاية الطفل على الأغلب تقع على عاتق أمه، لأنها معه طوال الوقت، "وبعض الأمهات يقعن في إشكاليةٍ مع المجتمع بسبب الأنماط السلوكية المحدودة المتكررة، التي تسبب إزعاجًا للبعض، مما يجعلها تغلق عليه وعلى نفسها لتفادي أي إشكاليات" تتابع.

أخصائية نفسية: من الطبيعي عندما تتعرض الأم لضغوطات مجتمعية أن تنسحب، لكننا ننصحها بالتحدي.

وتؤكد أنه من الطبيعي عندما تتعرض الأم لضغوطات مجتمعية أن تنسحب برفقة ابنها، مستدركةً: "ولكن نحن دائمًا ننصحها بعدم الاستسلام والتحدي والمواجهة؛ لأن طفلها يكتسب نشاطه وقوته منها، والاستمرار في محاولة دمجه، والخروج معه للأماكن العامة، وتدريبه في المراكز التأهيلية، وهذا سيساعد في تحسنه بشكل كبير".

وعن بعض الأنشطة التي يقدمها الأخصائيون للأطفال المصابين بطيف التوحد وتساعد على زيادة الإدراك -والحديث لسلامة- "حصص الرياضة، والرسم، والتلوين، وتشكيل المكعبات، والألعاب الترفيهية، ورواية القصص، والدروس المنهجية"، منبهةً إلى أنه في حال تحسن الطفل، يمكن تحويله للمدارس التعليمية خارج الجمعية.

كاريكاتـــــير