غزة:
ما أن انتهى آخر امتحانات العام الدراسي للمراحل الأساسية؛ حتى حملت المواطنة سهى الصعيدي (29 عامًا) صغارها واتجهت إلى بيت أهلها لزيارتهم.
ورغم خلاصها أخيرًا من عناء متابعة دراستهم، والاستيقاظ مبكرًا لتجهيزهم للمدرسة، إلا أن الحيرة كانت تحاصرها طوال الوقت: "كيف سيقضي أطفالي شهور الإجازة الصيفية الثلاثة؟".
الغالبية العظمى من أطفال قطاع غزة، يتبعون لعائلات تعيش تحت خط الفقر، ويقضون إجازة الصيف في البيت بسبب ضعف قدرة عائلاتهم المالية، التي لا تسمح لهم بالانتساب إلى مخيمات الصيف المدفوعة.
وتنظم العديد من المدارس الخاصة، والأكاديميات المعنية برعاية المواهب، وبعض المؤسسات المحلية، مخيمات صيفية تتضمن عدة برامج، منها الترفيهي، والتعليمي، والتنموي الإداري، والرياضي، والتراثي والفني أيضًا، لكنها كلها تحتاج إلى رسوم انتساب تفوق غالبًا قدرة العائلات على الدفع، لا سيما تلك التي تضم أكثر من طفل في مراحل عمرية متقاربة.
تقول سها، وهي أم لثلاثة أطفال: "منذ بدأت الإجازة وأطفالي لا يجدون مكانًا للعب سوى في الشارع أمام البيت، وهذا غير آمن، فقد يتعرضون للدهس في أية لحظة. أقضي وقتي في المناداة عليهم لدخول البيت لكن الأطفال يملّون البيوت، ولا خيارات أمامنا".
تشتكي سها عدم وجود مخيمات صيفية للأطفال في منطقتها بمدينة غزة، "وحتى التي تُفتتح في أماكن أخرى مكلفة ماديًا، ولا طاقة لي بتوفير رسومها، ولا أجرة مواصلاتها".
وتتابع: "يريد أطفالي الالتحاق بمخيم لتعليم السباحة مثل أقارب لنا، لكن عندما سألت عن الرسوم، كانت مرتفعة، ناهيكم عن أجرة المواصلات، وهذا ليس بطاقة والدهم الذي يعمل في شركةٍ محلية براتبٍ بسيط بالكاد يكفي احتياجاتنا اليومية".
وتكمل: "يوجد في منطقتنا ملعب معشب يلعب فيه طفلي مقابل اثنين من الشواقل عن كل ساعة، ولا يوجد أماكن لعب وترفيه سواه"، متساءلةً عن سبب غياب المخيمات الصيفية المجانية للأطفال غير القادرين على الانتساب لمخيمات مدفوعة: "أليس من الظلم أن يقضوا نهارهم كله أمام التلفاز والهواتف المحمولة؟".
توافقها الرأي الشابة هديل الدعمة (26 عامًا)، وهي من بلدة جباليا شمالي قطاع غزة، فأطفالها أيضًا لا يجدون مكانًا للعب سوى الشارع أو داخل الشقة، منذ بداية الصيف. أكبر أطفال هديل في الصف الخامس الابتدائي، ولا يجد مكانًا للعب سوى في الشارع برفقة أطفال الجيران.
تقول: "زُرت أهلي منذ بداية الإجازة، وهناك سمع أطفالي عن ذهاب أبناء أخوالهم للمخيمات الصيفية. يرغب طفلي في تعلّم مهارة جيدة، ولكن لا يوجد مكان مناسب ولا حتى مخيمات ترفيهية".
تتذكر هديل حين كانت صغيرة كيف كانت كل منطقةٍ تُنفّذ مخيمًا صيفيًا مجانيًا للأطفال، فيه أنشطة وفعاليات ترفيهية، وبعض الدروس التعليمية حيث يشعر الصغار بالترفيه، ويستثمرون الوقت في الفائدة أيضًا.
وتتساءل: "لماذا لا يحدث هذا الآن؟ لماذا تم تقليص المخيمات الصيفية؟ في منطقتنا لا يوجد أي مخيم لا مجاني ولا غيره، وليس أمام أطفالي سوى قضاء الوقت على جوالي يتابعون برامج الأطفال. أرى ملامح الملل على وجوههم وهذا يقهرني في ظل عجزي عن فعل أي شيء".
عامٌ كاملٌ قضاه الصغار وهم يدرسون ويتقدمون للامتحانات، عانت خلاله الأمهات أيضًا من التحضير والمتابعة مع كل أطفالهن، انتهى بحلول الإجازة.. وقت الترفيه، وراحة الأمهات، لكن هذا لم يحدث في الكثير من البيوت، فلا الأطفال استمتعوا ولا الأمهات ارتحن.
وتفتقر غالبية الأماكن في قطاع غزة لأماكن ترفيه مناسبة للأطفال في ظل الكثافة السكانية العالية، بينما تقلّصت المخيمات الصيفية المجانية بشكل كبير، وباتت الأسعار تعلو لتتجاوز سقف المنطقي، فلم يعد لدى جميع الأطفال القدرة على الالتحاق بها، ما يحرمهم حقهم في ممارسة هواياتهم أو حتى قضاء الوقت باللعب.
























