شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 04 مايو 2026م04:05 بتوقيت القدس

محمد قطروس..

مسحّراتي منذ ستة عقود "والأجر على الله"

04 ابريل 2023 - 14:26

قطاع غزة:

"طبل كبير وصوتٌ جهورٌ جذّاب، وسكاكر بالجيب"، هذا هو رأس مال محمد قطروس، أقدم مسحّراتي في قطاع غزة.

لم يستطع الزمن أن يمرَّ على تلك الطبلة التي اشتراها في الثمانينيات من أقدم أسواق المدينة، سوق "فراس"، فهي كأنها جديدة، يطوف بها مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، ليكمل مشوارًا بدأه وهو ابن 13 عامًا.

 المسحراتي، الذي يبلغ من العمر اليوم 73 عامًا، يسير تمام الثانية فجرًا، ويبدأ الطرق على طبله والنداء. من زقاقٍ إلى زقاقٍ، ومن حارة لحارة، يمضي منشدًا "يا مصطفى من غرامك ما بنام الليل، ساعة بصلي وساعة بمدحك يا زين.. يا بخت مين راح وزارك محمد كحيل العين، جيت رد فرحان ولو كانت حموله دين".

ينتظر صغار المخيم قدوم محمد على أحر من الجمر، ما أن يسمعوا ابتهالاته حتى يهرولوا سريعًا نحوه، ينادونه "أبو أحمد نوّارة الحارة"، ويسألونه: "لماذا لا تأتي في غير رمضان؟"، وربّما ما يميزه أنه يحمل الحلوى في جيوبه لأجلهم، يتحايلون عليه بلباسهم، أحيانًا يبدلونها سريعًا للحصول على المزيد، لكنه يعلق ضاحكًا: "أكشفهم، وأعمل أنني تناسيت لأجل إسعادهم! فهؤلاء أحباب الله".

"ما سر جمال صوتك؟" يسأله الناس أحيانًا، فيجيب: "السكر الفضي والزنجبيل والتمر، بها أستعد وهي تسندني وتمدني بالطاقة، وتحافظ على صوتي جميل".

في التفاصيل، بدأت القصة بـ "سدر حلويات"، أخذ السبعيني محمد يجرب الطرق عليه برفقة صديق له عندما غاب مسحراتي الحارة الأسبق؛ لحصوله على عمل بالسعودية. كان طفلًا لكنه معجبٌ بهذا الأداء، ومحاولته في تلك الحقبة لم تذهب عبثًا، إذ لاقى إشادة واسعة من الناس، الذين دفعوه وصديقه لاستكمال الرحلة.

يضيف: "كان أحدنا يدق على السدر، والآخر يحمل فانوسًا متواضعًا، حيث استمرينا لفترة قبل أن نستخدم لقّان العجين".

ويعرف "لقّان العجين" فلسطينيًا بأنه أحد أواني الفخار أو الستانليس المدورة، إذ كان يستخدم لخلط العجين، معقبًا: "غطيناه بجلد غنمة ليصدر صوتًا يشبه صوت الطبلة، لكنه خُرم منا أكثر من مرة، حتى عثرت صدفة على طبلة حقيقية".

ويتابع "كأنني وجدت كنزًا، اشتريتها بـ 20 ليرة، وكان هذا مبلغًا باهظًا في ذلك الوقت, هذه الطبلة أصبحت صديقتي وجزء مني، لا أفرط بها، ولا أسمح لأحد باستخدامها حتى أعز أحفادي".

في الجانب الآخر من حياته، كان القطروس عاملًا في الأراضي المحتلة، وعند قدوم رمضان لا يمنعه ذلك من مواصلة شغفه بإيقاظ الناس من أجل السحور، يخبرنا: "كنت أعمل حتى أذان المغرب، ثم أجلس مع عائلتي حتى صلاة التراويح، وبعدها أخلد إلى النوم كي أستيقظ عند الـثانية فجرًا لأسحر الناس، وبعدها أذهب إلى عملي مجددًا".

وقبل فرض الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة، عمل محمد بائعًا للفول والترمس؛ ليدبر مصاريف أسرته، إلا أنه يظن أن أعظم ما يقدمه في حياته، ويشكل له دافعًا "إيقاظ الناس للسحور، فهذه بالنسبة لي أحلى مهنة أتقاضى أجرها المعنوي من الله وحده".

كاريكاتـــــير