غزة:
"إلى متى هذا التهميش؟" تتساءل السيدة أم عبد الله محيسن، وهي والدة الطفل فارس (14 عامًا) المصاب بطيف التوحد بغضب.
بدأت محيسن حديثها لـ"نوى" بمناسبة اليوم العالمي للتوعية بمرض التوحد، الذي يصادف الثاني من إبريل/ نيسان من كل عام، بإلقاء اللوم على المؤسسات الحكومية في قطاع غزة، "بسبب إهمال هذه الفئة، إذ يتركون بلا تعليم ولا رعاية صحية ولا تأهيلية، وعلى الأهل وحدهم أن يحاولوا دمجه، وهذا صعب جدًا" تقول.
الطفل فارس بدا طبيعيًا عند ولادته، ومع بلوغه العامين لاحظت والدته تأخره في النطق، وظهور أعراض نمطية لديه خلافًا لإخوته الستة الذين سبقوه، وحين كانت في مراجعةٍ لمستوصف حكومي، نصحها طبيب عام بالتوجّه لمؤسسة تشخّص حالته، وبعد الفحوصات تبين أنه مصاب بطيف التوحّد الذي لا توجد حتى الآن إحصائية رسمية تحدد عدد المصابين به في قطاع غزة، ولا مؤسسات خاصة ترعاهم.
أم عبد الله:هذه المؤسسات ربحية، لا تقدم الرعاية الصحيحة، ولأن التأمين الصحي لا يغطي هذه المشكلة، أخذت ابني على نفقتي الخاصة إلى عمان
واضطراب طيف التوحد عبارة عن حالة ترتبط بنمو الدماغ وتؤثر على كيفية تمييز الشخص للآخرين والتعامل معهم على المستوى الاجتماعي، مما يتسبب في حدوث مشكلات في التفاعل والتواصل الاجتماعي.
تقول أم عبد الله: "كتبوا له في المرة الأولى أدوية مهدئة، وللأسف كان هذا خطأً كبيرًا. لقد أيقنتُ أن هذه المؤسسات ربحية، لا تقدم الرعاية الصحيحة، ولأن التأمين الصحي لا يغطي هذه المشكلة، أخذت ابني على نفقتي الخاصة إلى عمان، وهناك أوقفوا أدوية المهدئات وخضع لبرنامج علاجي مختلف".
أثناء حملها تعرضت أم عبد الله التي تسكن حي الشجاعية شرقي مدينة غزة لاستنشاق الغاز السام الذي تطلقه قوات الاحتلال المتمركزة على تخوم الحي، وهي تظنُّ أنه السبب فيما أصاب طفلها كون التوّحد ناتج عن نقص الأكسجين حسب ما تعلم.
وتكمل: "لا يوجد توعية للمجتمع. هؤلاء الأطفال يتعرضون للتنمر، حيث لم يدخل ابني المدرسة بسبب إهمال وزارة التربية والتعليم في دمجهم رغم مطالباتنا المتكررة، ولم يحصل على الرعاية الصحية كونه يحتاج إلى حمية غذائية ومكملات، بالإضافة إلى برنامج تأهيلي كامل لا تقدر عليه العائلات هنا".
ويتعرض أطفال طيف التوحّد -غالبًا- للتنمر وعدم التقبل المجتمعي، نتيجة غياب التوعية بطبيعة المرض وغياب وجود متخصصين للتعامل معه، وكذلك الإهمال الرسمي بحقهم، وإهمال الإعلام في التوعية كما تحكي أم عبد الله.
الأمر يشبه تمامًا ما تعيشه الشابة ميساء حامد من مدينة رفح جنوبي قطاع غزة، التي أنجبت طفلًا بدا عاديًا في البداية، لكن عدم تجاوبه مع إخوته أشعرها أن الطفل يعاني مشكلة.
ميساء:لم يكن لدينا دراية بالمرض ولا بكيفية التعامل مع طفل مصاب به، ولم أجد حتى متخصصين لمتابعة حالة طفلي
تقول: "في البداية ظننت طفلي أحمد لا يسمع، وعرضته على طبيب أكد لي سلامة سمعه، ثم بدأت أتنقل بين أطباء الأعصاب والأطباء النفسيين. كانت جولة طويلة من المراجعات والفحوصات الطبية حتى أخبرني أحدهم بأن ابني مصاب بطيف التوحّد".
كانت صدمة ميساء كبيرة، فهذه هي المرة الأولى التي تتعرف فيها على هذه المشكلة، ناهيكم عن المرض ذاته، الذي بدا غريبًا على محطيها الاجتماعي إذ لم يسمعوا به من قبل.
تعقّب: "لم يكن لدينا دراية بالمرض ولا بكيفية التعامل مع طفل مصاب به، ولم أجد حتى متخصصين لمتابعة حالة طفلي، اللهم إلا من اجتهادات. بلغ الآن عمر ابني 8 سنوات، ويفترض أن يكون في الصف الثالث الابتدائي لكنه ما زال في الصف الأول، لا أريد أن يحرم أحمد من التعليم، لكن يا للأسف، المدرسة لا تستطيع التعامل معه".
وتجزم ميساء بوجود تقصير شديد في التوعية بمرض طيف التوحد، في الإعلام، وداخل المدارس، أو حتى الحديث عن كيفية التعامل مع المصابين به، آملةً تكثيف الجهود مجتمعيًا "بحيث يحصل المصابون به على حقوق كاملة، فلا يحرمون الاندماج الكامل في المجتمع بدءًا من التعليم الأساسي وحتى العالي، وصولًا إلى حقهم في العمل" الذي قالت إنها لا تعلم كيف سيتدبر أمره حينما يكبر.
قبل نحو عامين، نشط "لوبي" في متابعة قضية الأطفال المصابين بالتوّحد، انضم إليه حينها 400 من أهالي الأطفال، وفي ظل عدم وجود إحصائية رسمية بعدد مصابي التوحد، إلا أنهم حتى الآن لم يحصلوا بعد على ترخيص رسمي للمؤسسة، التي تعدّ أم عبد الله واحدة من مؤسسيها.
الصوير:درجة الوعي بموضوع التوحّد ضعيفة، فنحن نفتقر إلى وجود متخصصين لمتابعة الحالات، والمؤسسات هي خاصة وربحية
يقول محمود الصوير رئيس اللجنة التأسيسية لأهالي أطفال التوحّد: "هذا الطيف ليس مرضًا بل هو أقرب لأن يكون إعاقة حسية تعيق الطفل عن أن يكون عاديًا في تواصله"، موضحًا أن الطفل يمضي وقته مشتتًا، ولديه فرط حركة، ومع الأسف هناك أطباء لجأوا للمهدئات وهذا يزيد الحالات سوءًا.
ويضيف الصوير: "إن درجة الوعي بموضوع التوحّد ضعيفة، فنحن نفتقر إلى وجود متخصصين لمتابعة الحالات، والمؤسسات هي خاصة وربحية، تكلُفتها 200 دولار شهريًا، وهذا عالٍ جدًا، كما أن من يعملون هناك إما أن يكونوا من خريجي التربية الخاصة أو علم النفس، ويتعاملون ببرامج بدائية، بل يحتاجون إلى دورات تأهيل خارجية؛ ليكونوا قادرين على التعامل مع المصابين".
أما الأهالي، فهم بالطبع ليس لديهم معلومات كافية حول هذه المشكلة التي ما زالت تحيّر الطب، والمجتمع ما زالت نظرته سلبية لمصابي طيف التوحد الذين ينظر إليهم البعض حتى اليوم على أنهم "مجانين"، وقد يتعرضون للمعاملة بعنف نتيجة فرط الحركة التي يعانون منها، وهذه كلها نظرة بحاجة إلى توعية مجتمعية من أجل تغييرها.
محمود هو والد لطفلة اسمها سحر مصابة بطيف التوحد، بلغت من العمر 14 عامًا، ولم تلتحق أيضًا بالمدرسة حالها مثل حال فارس.
يأمل الصوير أن تهتم الجهات الرسمية بمصابي التوحد أكثر، بحيث يتم إدماج أطفالهم في كل مراحل التعليم أسوة بغيرهم، وأن يتلقوا كل الخدمات اللازمة صحيًا وتأهيليًا وتعليميًا، وعدم حرمانهم من هذه الحقوق بسبب إصابتهم بطيف التوحّد الذي لا ذنب لهم فيه.
أم عبد الله وميساء ومحمود، ثلاثة من أهالي مصابي طيف التوحّد، حملوا رسالة موحدة مفادها ضرورة تبني الحكومة بمؤسساتها المعنية لهذه القضية، منحهة الصحة، والتعليم، والتنمية الاجتماعية، إضافة إلى توعية المجتمع بهذه المشكلة، وضرورة تقبّل مصابي طيف التوحّد وحمايتهم من التعرض للتنمر، والإهمال، والعنف.
























