غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
تتبدّل الأمنيات بين ليلةٍ وضُحاها. وتتساقط تلك الضحكات فجأة! تلك الطفلة التي كانت بالأمس تطلب اقتناء حقيبة مدرسة عليها صورة بطلتها المفضلة "إلسا"، صارت اليوم تحلم بامتلاك "جناحين" يأخذانها بعيدًا، إلى حيث يمكن لـكل "الكوابيس" أن تموت.
رهف سليمان (11 عامًا)، طفلةٌ من سكان مخيم جباليا شمال قطاع غزة، وجدت نفسها بين رحى نارٍ مهولة في غمضة عين! "من أنا؟ وماذا أفعل هنا؟" هي لا تدري إلا أنها أصبحت بقدمين مبتورتين ويد واحدة.
تشعر رهف بالألم يسري في أعماق روحها، وهي تنظر إلى يدها المبتورة وتقول: "لم أكن أمسك بها قذيفة، كنتُ ألعب بعرائسي وأستخدمها في نط الحبل".
اليد اليسرى التي تركها الاحتلال في جسد رهف كشاهدٍ "حيٍ" على الجريمة، هي بالنسبة لصاحبتها "طفل يحبو"، لا تستطيع أن تعتمد عليها حتى في كتابة اسمها، لكن عليها أن تعلمها منذ اللحظة أن تكون "سندًا" قويًا في وجه الحياة الآتية.
تضيف همسًا: "لا أستطيع الكتابة بيدي اليسرى، منذ صغري وأنا أكتب باليمنى، والآن فقدتُها. ماذا أفعل؟ وكيف أكتب بعد الاَن؟".
تتمنى رهف لو يهبط عليها فانوس علاء الدين، فتطلب من "الجني" أن يعيد إليها أقدامها لتجري، وتلعب، وتقفز الحبل، وتبحث عن صديقاتها في لعبة الغميضة.
أصيبت رهف في السادس من أغسطس الجاري، خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة. تحكي الحكاية وتقول: "يومها شعرت بجوع شديد، وطلبت من والدتي إعداد أي شيء آكله، وبحثت عن أخي حتى يأكل معي فلم أجده، ثم خرجتُ أبحث عنه، وحينها باغتتني شظايا الصواريخ".
قصفٌ بالقرب من "سوبر ماركت البركة" في مخيم جباليا، لم تصحُ بعده الطفلة إلا في المستشفى، بلا قدمين، ولا يد.
تتابع: "نظرتُ باتجاه أمي، وجدتها تضع يديها على خديها وتحاول إخفاء دموعها، تمالكتُ نفسي ولم أبكِ. تظاهرتُ بالقوة حتى لا تبكي أمي، لكنني كنتُ حزينةً جدًا لما أصابني".
تتساءل رهف: "كيف أرسم الآن الرسومات التي أحبها؟ كيف أرسم الطيور، والبحر، والزهور، كيف أرسم الأطفال يلعبون".
تبكي رهف التي استمرت تحكي لـ"نوى" ما يجول في قلبها، وتكمل: "أكره الحرب، أكره الصواريخ، وأكره سرير المستشفى والجلوس، أحب الحركة. كيف سأتحرك الآن؟ أخبروني كيف؟".
بصعوبةٍ تحرك رهف يدها اليسرى نحو شعرها الطويل، وتقول: "كنتُ أمشط شعري وأعمل التسريحات المختلفة به، الآن كيف يمكنني فعل ذلك بعد أن فقدت يدي؟ كيف أصنع جديلة بيدٍ واحدة؟".
الأسئلة التي تباغت عقل رهف كثيرة، ولا تنتهي عند كيفية تمشيط الشعر وحسب. كيف ستجهز دفاترها بالتجاليد الملونة؟ وكيف ستكتب في الدفاتر بأقلام ملونة؟ وكيف ستجري في ساحة المدرسة خلف صديقاتها وتضحك؟ وكيف سيبدو مستقبلها أيضًا؟
ليست رهف وحدها. العدوان الأخير الذي استمر ثلاثة أيام من شهر أغسطس الجاري تمخّض عن حزنٍ مهول أصاب عشرات العائلات في غزة. 46 شهيدًا رحلوا وتركوا الدمع يأكل قلوب عائلاتهم والصحب والأحبة، ورصيدًا من الحزن في قلوب الناجين "مجازًا" لا يعرف أحد متى يزول.
























