شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 01 مايو 2026م08:46 بتوقيت القدس

كان عمرها 14 عامًا وقت النكبة..

الحاجة "ابتهاج".. ورحلة الذاكرة إلى رمضان "يافا"

06 ابريل 2022 - 14:18

غزة:

من حي العجمي -أحد أرقى أحياء مدينة يافا- إلى مخيم الشاطئ للاجئين الفلسطينيين بظروفه الإنسانية الصعبة، عمرٌ من الحكايا عاشتها الحاجة ابتهاج دولة (88 عامًا) "لاجئةً" في وطنها.

 تُطلِقُ السيدة مع كل زفرةٍ تنهيدةَ شوقٍ لرمضان في مدينتها المُهجّرة، والكثير من الدموع. ولا تفتأ تُحدّث كل من زارها عن "يافا" الجميلة، بأهلها وبيوتها وبرتقالها وبحرها، وتستدعي الذكريات من قعر الحكاية لتقول -غير مكترثةٍ لعمر البُعد كلّه- "إنا لعائدون".

تصحب تنهيدات ابتهاج دمعات رثاء لذكريات بيت العيلة، وتفاصيل الحياة، وشهر الصيام في يافا، لتخبرنا عن تلك المدينة التي لطالما كانت منفتحة على كل الثقافات بحكم موقعها الساحلي، وباعتبارها مركزًا تجاريًا تميّز بجمال عمرانه، "حتى أُطلق عليها عروس البحر المتوسط، فكانت قبلة للسائحين" تقول.

وكما رمضان بحلته المبهجة اليوم، كان يزور يافا متألقًا بأنوار الفرح. تعقب الحاجة المُكناة بـأم خطاب: "كان المدفع يضرب نحو البحر فنعرف أن يوم غدٍ رمضان بالاعتماد على الرؤية بالعين، لكن الآن العلم تطوَّر، ورغم ذلك هناك اختلافٌ في تحديدِه".

الحاجة ابتهاج: الاستعداد لرمضان كان يبدأ في مدينة يافا قبل حلوله بمدة وليس كما يجري اليوم

الاستعداد لرمضان كان يبدأ في مدينة يافا قبل حلوله بمدة، حيث تشتري العائلات وتُحضّر كل ما يلزم من ألبانٍ، وأجبانٍ، وتمورٍ، ومكسرات للحلويات، وقمر الدين، والحلاوة الطحينة، وليس كما يجري اليوم، حيث تستعد العائلات للشهر قبل حلوله بأيام قليلة.

تكمل الحاجة لـ "نوى": "ساق الله على أيام البلاد وأيام هداة البال، كل شيء في يافا غير، الأجبان ليست كالتي نعرفها اليوم، فكلها كانت بجودة عالية، وأنواع مختلفة، على عكس بعض الأجبان الرخيصة وسيئة الجودة التي تباع اليوم.. هذه لم نكن نعرفها أصلًا".

وكان الأطفال -وفق السيدة الثمانينية- يستقبلون رمضان بالفوانيس المضاءة، يحملونها ويجوبون فيها الشوارع وينشدون للشهر الفضيل.

مسحت الحاجة دموعها وهي تستعيد ذكريات بيت والدها وجدّها في حي العجمي. تقول بلهجتها اليافاوية اللطيفة: "كان بيتنا كبير. أربع طوابق جنب مستشفى فؤاد الدجاني، إمي وسلفاتها خمس كناين في البيت، كنا زارعين على يمين ويسار البيت، وفي وسط بيتنا مسبح". تصمتً قليلًا قبل أن تتابع بنبرةٍ متحشرجة: "كان بيتنا راقيًا، جدي وأبي وأعمامي كانوا من كبار التجار، وكانت لديهم مراكب، كنا أغنياء، عند قدوم رمضان يشتري والدي استعدادات الشهر الفضيل ويوزعها على الجيران أيضًا".

تشير الحاجة إلى بيتها المتواضع ذو الجدران المتهالكة في مخيم يعيش مخيمٍ لا تزيد مساحته على 520 دونمًا، ويعيش فيه أكثر من 100 ألف إنسان يعتاشون على المساعدات، وتعلق بأسى: "شوفوا كيف انقلب حالنا بسبب الاحتلال والهجرة".

الحاجة ابتهاج:ما كان في ألعاب خطيرة على الأطفال مثل اليوم؛ حرق سلك الجلي، والمفرقعات المخيفة. كانت الألعاب هادية وجميلة

تنهدت بعمقٍ، ثم عادت للحديث عن شهر رمضان المبارك، الذي كان يحرص "اليافاوية" فيه على تزيين الشوارع بحبال الزينة، والإضاءات التي لا تنطفىء عنها الكهرباء، "زينةٌ أجمل وأرقى من تلك التي نعرفها اليوم" وفق رأيها.

وفي ليلة الإعلان عن الشهر الفضيل، يطوف الأطفال بين البيوت ينشدون أناشيده، "وهكذا يبقون حتى انتهاء الشهر"، وكانوا يجتمعون بعد الإفطار يوميًا يلعبون حول بيوتهم، ولكن كما تصف: "ما كان في ألعاب خطيرة على الأطفال مثل اليوم؛ حرق سلك الجلي، والمفرقعات المخيفة. كانت الألعاب هادية وجميلة".

كانت تنتشر في شوارع مدينة يافا قبل النكبة أراجيح الأطفال، "لم يكن هناك أجهزة تلفزيون في البيت، فكانت النساء تتسلى على الراديو وتصلي التراويح فقط في المسجد، أما الرجال فيقيمون كل صلواتهم في مساجد المدينة" تقول، متابعةً: "وكانت تنشط عادةً الزيارات الرمضانية التي امتدت منذ أيام البلاد حتى يومنا هذا كما تؤكد الحاجة أم خطاب، الفرق الوحيد أن الأهالي كانوا يصطبحون أبناءهم كل يوم جمعة إلى سينما الحمراء في منطقة البلد وسط المدينة".

بعد تناول الإفطار في بيت العائلة -ليس في الدوادين كما في القرى- كان الرجال يذهبون إلى المقاهي لشرب القهوة والشاي والاستماع للحكواتي كأحد الطقوس التي تستمر حتى نهاية شهر رمضان.

وعند قدوم العشر الأواخر من رمضان -وفق الحاجّة- تزداد الطقوس الدينية والإيمانية، فمن قصّر في بداية الشهر يزيد الإقبال على الصلاة وقراء القرآن في آخره، كما يبدأ الناس التحضير للعيد، بشراء السميد والتمر لعمل الكعك، "وكل هذه الأشياء كانت من إنتاج مصانع يافا، وتشتريها المدن والبلدات المجاورة في فلسطين".

الحاجة ابتهاج: حتى الذين كانوا يشترون المستورد كانوا يقولون إنه يافاوي حتى يتباهوا به بين الناس

تكمل: "صحيحٌ أن الناس كانوا يشترون ملابس جديدة للعيد وخاصةً للأطفال، ولكن الأغلب كانوا يعتمدون على الخياطة لأنها أجمل وأرقى، وكانت تنتشر محلات الإكسسوارات للبنات، لكن ما كانت فولسو مثل إكسسوارات اليوم السيئة، كلها كانت راقية وجميلة".

وتردف: "كانت الناس تشتري أغراضها من يافا، ورغم وجود المنتجات المحلية والمستوردة، لكن حتى الذين كانوا يشترون المستورد كانوا يقولون إنه يافاوي حتى يتباهوا به بين الناس لأن صيته حسن".

ومع إعلان يوم العيد، تنطلق الأغاني في الشوارع ويدور الأطفال ينشدون للعيد، ويلعبون بالأراجيح طوال الأيام الثلاثة، "وكان معتادًا أيضًا أن تقضي بعض العائلات العيد خارج المدينة".

تشير السيدة إلى أن بعض أسماء الأحياء حملت اسماء أحياءٍ مصرية، مثل العجمي، والمنشيّة، وهم من أرقى أحياء المدينة، "أما اليهود فكانوا يعيشون في المدينة بشكل طبيعي، ويحظوا بمعاملة جيدة من الفلسطينيين. كانت معاملتنا مع الجميع ممتازة".

وتضيف أم خطاب: "كان لدينا منطقة اسمها حارة الغزازوة، تعيش فيها عائلات من مدينة غزة، وحين حدثت الهجرة هاجروا معنا، وتم تسجيلهم كـ"لاجئين" من مدينة يافا".

ورغم جمال الحديث عن ذكريات رمضان والعيد في البلاد، إلا أن أم خطاب رغمًا عنها، تحدثت عن اليوم الذي هاجروا فيه من المدينة. "حين دخل جنودٌ مسلحون، وهتف الناس هلا بالجيش العراقي معتقدين أنهم من العراق، ليفاجأوا فيما بعد بهم يفتحون النار صوبهم بكثافة، ويقتلونهم بشكل عشوائي (..) أصيب شقيقي وقتها، وخرجت أمي تهرول نحوه وتحتضنه".

فرّ الناس على المراكب هاربين من الموت باتجاه البحر حتى وصلوا إلى مدينة بور سعيد المصرية على أمل العودة حين تهدأ الأحداث، وظلّت حياة التهجير ترافقهم. وصلوا بعدها إلى سيناء، ثم إلى مخيم المغازي، وأخيرًا إلى مخيم الشاطئ بكل ظروفه القاسية، وبيوته الضيقة، وافتقاره للحد الأدنى من الخدمات، لتنتقل ابتهاج من حياة العز إلى الفقر المدقع، وتظل تطاردها الذكريات.

كاريكاتـــــير