غزة:
هل يمكن أن تقود دراجةً مربّعة العجلات؟! هل توقعت أن "الرياضيات" قد تحدُّ من حوادث السير؟! هل تخيّلتَ أن الهندسة الفراغية يمكنُ أن تخدم ذوي وذوات الإعاقة؟ تبدو أسئلةً غريبة، أما الأغرب فأن تأتيك الإجابة من باحثاتٍ صغيرات، هن طالبات الصف الأول الثانوي في مدرسة الزهراء الثانوية، المتواجدات في مركز فلسطين لصناعة العقول. لكن هل تُصنع العقول؟ دعونا نرى..
في عام 2020م، اختيرت رنا زيادة معلمة الرياضيات في مدرسة الزهراء بمدينة غزة؛ كواحدة من بين 60 امرأة ملهمة في العالم، من قبل مؤسسة المرأة العالمية، ذلك بعد شهر ونصف من فوزها بلقب المعلم المثالي في فلسطين، عن مشروعها "التعليم التكاملي"، الذي سعت من خلاله إلى جعل الرياضيات مادة ممتعة للطلبة، عبر تجاوز فكرة حل المسائل المعقدة لصالح تحويلها إلى علمٍ تطبيقي يمكن الاستفادة منه في الحياة الواقعية.
حينها صرّحت زيادة التي برعت في تعليم الرياضيات بهذا النهج، أنها ترغب في تأسيس مركز لصناعة العقول، وبدأت العمل عليه فعليًا منذ أواخر عام 2019م، بهدف الاستفادة من البحث في الرياضيات، وربطه بالعلوم الأخرى للخروج بنتائج تطبيقية يستفيد منها العامّة.
اقرأ/ي أيضًا: رنا زيادة تفكّ عقدة الرياضيات وتلهم نساء العالم
وبالفعل، نجحت في تأسيس المركز عام 2020م برعاية وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، كغرفة صفية في مدرسة الرملة المجاورة لمدرسة الزهراء. تقول زيادة لـ"نوى": "إن المركز يقدّم خدماته داخل المدرستين وخارجهما، إذ نستضيف فيه مُدرّسات ومدرسي المدارس الحكومية، والوكالة، والخاصة، لعقد دورات من أجل تعزيز الواقع والتعليم التكاملي المعروف، والعديد من الأنشطة التربوية"، لمتابعة كل ما هو مستحدث في مجال التعليم، لا في الرياضيات وحسب، ونقل التجربة.
في عام 2020م، عقدت زيادة اختبارًا لاختيار أفضل الطلبة، ممن يمتلكون شغف البحث والابتكار، ولم تشترط أن يكونوا من أوائل الفصول كما جرت العادة؛ بل اختارتهم ممن يمتلكون الذكاء والمهارة والشغف للبحث، وانطلقت بهم صوب تأسيس أجيال من الطلبة الباحثين.
توضح زيادة ذلك بقولها: "أكبر مشكلة تواجه الطلبة هي تساؤلهم الدائم: ماذا سنستفيد من هذا العلم؟ لكنني اتفقت معهم بأن كل وحدة دراسية يجب أن يكون في نهايتها مخرج نلمسه، قادر على حل مشكلات بالمجتمع".
جولة على اللوحات والمجسمات، تخبرك صديقنا القارئ كيف استفادت الطالبات في علم الرياضيات في حياتهن العملية. سعاد عاشور على سبيل المثال، كانت تحلم بالحد من حوادث السير بالاستفادة من الهندسة الفراغية ومهارتها في الفن التشكيلي، وذلك من خلال توظيف المجسمات ثلاثية الأبعاد.

تقول سعاد: "حوادث السير هي واحدة من أكثر الظواهر خطورة، والكثير من السائقين يرتكبون أخطاءً أو لا ينتبهون للسرعة المسموحة، لذا فكرت في طريقة تدفعهم لتخفيف السرعة، باستثمار الإدراك البصري للسائق الذي يرى مشهدًا يدفعه إلى التهدئة تلقائيًا من خلال رؤية مجسمات أمامه".
توضح أن من يمر بجانب المشهد سيراه رسمًا غير منتظم، لكنه ليس كذلك بالنسبة للقادم من أمامه كالسائق، فهو سيرى مجسمات، على هيئة مشاهد شبه حقيقية.
أما فكرة الهندسة في دعم صمود العمران، فكان بحثًا للطالبتين رنا البنا وماريا المدهون. تقول رنا: "استفدنا من هندسة الزلزال في تصميم مبانٍ تقلل من أثره".
الفكرة ليست غريبة، لكنهما وظفتا الرياضيات والهندسة بحيث لا يتأثر البناء الأفقي عند حدوث زلزال، تستدرك الفتاة بالقول: "لكن ثمة معوقات واجهتنا أثناء الإعداد بكل تأكيد، فقد اضطررنا لاستبدال الكثير من المواد غير المتوفرة في قطاع غزة بأخرى متاحة من أجل إنجاز المشروع".
ورغم أن فلسطين ليست منطقة "زلازل" إلا أن ماريا توضح اختيار المشروع بقولها: "نحن معرضون بشكل دائم لخطر القصف الإسرائيلي.. وعليه، كثيرًا ما تتضرر الأبنية بسبب قصفٍ مجاورٍ أو قريب، وإن من شأن مثل هذا النموذج أن يقاوم ارتدادات الصواريخ".
داليا غباين طالبة أخرى، اختارت الرياضيات البحتة، ومن خلال بحثها في "النهايات وحساب مساحة الدائرة"، سعت إلى حساب مساحة الدائرة من خلال رسم ثمانية مضلعّات داخلها.
تقول: "قديمًا كان العلم يعتمد على قانون صامت هو: ط نق2، الذي يحفظه كل الطلبة، وهذا ما دفعني للعودة إلى البداية، والبحث عن كيفية إيجاد مساحة الدائرة عبر تكامل النهايات في الهندسة وعلم الجبر".
أما "توظيف الرياضيات في الإحصاء الجنائي" فكان العنوان الذي بحثت حوله الطالبة إسلام الريفي، التي وجدت أن علم الإحصاء يوفر الكثير من البيانات الكمية والكيفية حول الأماكن المرشحة لحدوث أنواع معينة من الجرائم، وبالتالي تكثيف الجهود الشرطية فيها. تعقب: "بعض الدول التي اعتمدت هذا النهج، نجحت في خفض معدلات الجريمة، ولهذا أطمح إلى توظيف هذا العلم في أقسام الشرطة والمباحث".
وأطلقت الطالبة ملك عليوة بدورها سؤالًا مفاده: "هل جربت قيادة دراجة بعجلات مربعة؟"، تضحك وتكمل: "لماذا نقود الدراجات دومًا بعجلات دائرية؟ ماذا إن اختلف الشكل؟ وهل هذا ممكن؟".

تجيب الفتاة من تلقاء نفسها وبمنتهى العفوية: "لمحبي المغامرات نعم، وهذا من خلال السير على منحنى تسلسلي يحتاج زاويةً بتسعين درجة لا دائرية، وانطلاق العجلة بسرعة". مستدركةً بالقول: "هناك الكثير من محترفي سباق الدراجات ينزلون إلى منحنيات، لا تخدمهم فيها أبدًا العجلات الدائرية".
"إحداثيات النقاط في الفراغ تواجه تحديات تركيب الأطراف الصناعية"، هو عنوان قصة ترويها الطالبة ندى جرادة، التي برعت في الهندسة الفراغية، وسعت للاستفادة من الطابعة ثلاثية الأبعاد في تصميم نماذج مجسمات الأطراف الصناعية، "لا سيما وأننا بسبب الحصار الإسرائيلي، نعاني من عدم إدخال الاحتلال لهذه المواد، وإن تواجدت فهي مرتفعة التكلفة" تقول.
وتكمل شارحةً: "في هذه الطابعة يتم رسم الجسم المطلوب في الفراغ -وليكن إصبعًا على سبيل المثال- هنا تتحرك إبرة، وعبر فتحةٍ في أعلى الطابعة يتم إدخال خيوط رفيعة من البلاستيك تنصهر بفعل الحرارة، وتنزل إلى أسفل لتتشكل على هيئة الإصبع المرسوم في الفراغ، وبذات الألوان التي تم تحديدها، لتكون قريبة الشكل واللون من العضو المبتور، وما لهذا من تأثير نفسي عظيم على ذوي وذوات الإعاقة".
وتأخذنا الطالبة دعاء حمادة إلى رحلة معرفية حول "الاسطرلاب"، وهو أول آلة فلكية أطلق عليها العرب اسم "ذات الصفائح"، وقد أسسها إبراهيم الغزالي، وطورها محمد الراشدي، ثم مريم الاسطرلابية. دعاء صممت نموذجًا لهذه الآلية بهدف إحياء النسخة القديمة منها، وإبقائها كقيمة معرفية مهمة في ظل هيمنة الحداثة، والتذكير بأن هذه العلوم أسسها أجدادنا العرب.
مع نهاية العروض السبعة، دار نقاش بين الطالبتين رهف طافش وملك حول فكرة رهف بإنشاء مترو أنفاق! رياضيًا: تم تصميم المشروع ومجسم له، لكن رهف ترى أن مساحة قطاع غزة صغيرة جدًا، والمشروع لن يكون مجديًا إلا لو خدم كل فلسطين، إلا أن ملك ترى عكس ذلك، فحتى ضمن هذه المساحة الصغيرة، هناك أزمة سير يسببها الازدحام، ويمكن أن يحلها مترو الأنفاق فعليًا.
تعقّب رهف :"الحقيقة إننا كنا ننظر للرياضيات بوصفها مادة صعبة ومعقدة وكثيرة القوانين، هنا تعلّمنا كيف نحولها إلى واقع ملموس يسهّل حياة الناس، الجسور التي نسير عليها، حوادث الطرق التي نحدّ منها، مترو الانفاق بكل أهميته وغيرها من الابتكارات الجميلة، كلها نتاج علم الرياضيات وقوانينه".
تبتسم المعلمة رنا لهذا الحوار المعرفي الذي لم يخلُ من النظريات والأرقام، لكنها تبدي أسفها بأن هؤلاء الطالبات سوف يغادرنها مع نهاية العام، ففي مرحلة الثانوية العامة لن يكون لديهن وقتًا كافيًا للمتابعة، بينما تطمح هي لتشكيل فريق مستمر، يواصل البحث العلمي، ويخرج بنتائج تطبيقية.
تعلق زيادة: "هنا لا نحتاج إلى أجهزة، أو أدوات"، فالمركز قائم على العقول أولًا، "لكن المكان ضيق، والحاجة إلى مكان أوسع يمكن أن تسهم في تحقيق إنجازات أكبر، وتطبيق أفكارٍ على مستوى أوسع فتخدم المجتمع بأسره".
سعاد عاشور والحد من حوادث السير

رنا البنا وماريا المدهون والصمود العمراني

داليا غباين "النهايات وحساب مساحة الدائرة:

إسلام الريفي "الرياضيات والإحصاء الجنائي"

ملك عليوة "دراجة بعجلات مربعة"

ندى جرادة "الفراغ والاطراف الصناعية"

دعاء حمادة والاسطرلاب

الطالبة رهف طافش وفكرة مشروع مترو الأنفاق

المعلمة رنا زيادة

























