شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 01 مايو 2026م08:46 بتوقيت القدس

وضعه النفسي يزداد تأزمًا..

مناصرة يتحدّث عن الانتحار.. و"حملة" للإفراج عنه

13 مارس 2022 - 14:47

القدس:

الثاني عشر من أكتوبر/ تشرين الأول من عام 2015م، أشرقت شمس ذلك اليوم "عاديةً" في حياة الطفل أحمد مناصرة ابن بلدة بيت حنينا بمدينة القدس المحتلة.

أحمد الذي كان يبلغ من العمر آنذاك (13 عامًا)، قرر القفز عن روتين يومه بجولةٍ قصيرة يشاركه فيها صديقه وابن عمه حسن (15 عامًا)، لكن آخر ما كانا يتوقّعانه أن مفترق الطرق الذي وقفا عنده سيكون "نهاية الطريق" إلى عذابٍ لا يتخيّل قسوته أحد.

قوات الاحتلال، أطلقت نحوهما الرصاص، بينما همّت مجموعة من المستوطنين بمحاولة دعسهما وضربهما بدعوى محاولتهما تنفيذ عملية طعن! استشهد حسن، واعتقل أحمد، وهنا بدأت حكاية "اللا رحمة" داخل سجون المحتل.

بين الحياة والموت، مكث أحمد في المسشتفى مكبل اليدين يعاني أوجاع إصابته وحيدًا، وبعدها بوقتٍ قصير تعمّد الاحتلال تسريب فيديو لجلسة التحقيق الأمني معه، حيث أمطره المحقق بوابلٍ من الوقائع والأسئلة، بينما هو كان يجيبه بدموعه: "مش متأكد، مش متذكر، مش متذكر".

حُكم على أحمد بالسجن 12 عامًا بدعوى محاولة تنفيذ عملية طعن قرب سكة القطار في شعفاط في القدس المحتلة، يمضي اليوم سابعها واسمه مقرونٌ بذلك الفيديو، وتلك العبارة التي كان يقولها باكيًا على أمل أن يصدّقه المحقق: "أنا مش متذكر".

تقول والدته ميسون في افتتاح حملة أطلقتها الشبكة الفلسطينية العالمية للصحة النفسية، للمطالبة بالإفراج المبكر عن أحمد مناصرة: "لم أشاهد الفيديو حتى الآن ولا أريد، كلما تجاوزت أول مشهد أصاب بحالة انهيار عصبي".

وتكمل السيدة موجهةً حديثها للمشاركين في الحملة، وغالبيتهم متضامنين دوليين: "أحمد كان طفلًا صغيرًا لا يستطيع إيذاء أحد، لا أصدق رواية الاحتلال، هو حساس جدًا وبسيط، كان مُحِبًا للحيوانات والطيور، يهتم بها ويحب تربيتها".

تستذكر والدة أحمد حضوره ذات يوم إلى البيت باكيًا، وهو يحمل عصفورًا مصابًا "كان شديد الحزن عليه، وقد لفّ جرحه، وصنع له قفصًا صغيرًا، واعتنى به حتى الشفاء".

وتروي أم أحمد كيف أنها صعدت ذات يوم لسطح منزلها للاطمئنان على عصافير أحمد بعد اعتقاله، فوجدت عندهم "سيارة لعبة"، فأخبرته عنها لدى زيارته فأجابها بكل عفوية: "هي ظلت عندهم، خليها معك علشان لما أتحرر ألعب فيها"، معقبةً بنبرة أسف: "كان حينها طفلًا يفكر في لعبته وعصافيره".

تضيف: "أخذوا أحمد من حضني، حرموه مني وحرموني منه، بعد اعتقاله لم أعرف مصيره سوى بعد مدة، كنت عندما أزوره أصاب بانهيار نفسي وأعود للبيت أبكي، لم يعد لدي القدرة منذ ذلك الوقت على الاعتناء بأطفالي، ابني يعاني من حالة نفسية سيئة وأناشد الجميع العمل على الإفراج عنه، أريد ابني في حضني، أحمد ما زال طفلًا، وقد كبر بعيدًا عني، بعيدًا عن حضني".

في بداية الجلسة التي عقدت عبر تطبيق "زووم" تحدثت البروفيسور نادرة شلهوب التي تمثل الشبكة الفلسطينية العالمية للصحة النفسية عن الوضع الصحي لأحمد، وحيثيات اعتقاله، والخطورة على حياته، مطالبةً جميع الزملاء الدوليين في مجال الصحة النفسية، وسفراء النوايا الحسنة، بالتوقيع على لائحة تطالب بالإفراج الفوري عنه، وإعادته لعائلته بعد ست سنوات من الإساءة الممنهجة التي لاقاها في "إسرائيل".

ويشير تقرير الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال -حسب شلهوب- إلى أن ما يقارب 500-700 طفلًا فلسطينيًا بعضهم لا تزيد أعمارهم عن 12 عامًا، يتم احتجازهم ومحاكمتهم في نظام المحاكم العسكرية الإسرائيلية، والتهمة الأكثر شيوعًا لهم هي: رشق بالحجارة.

أما والده صالح مناصرة، فروى تفاصيل اليوم الذي تم اعتقال أحمد فيه، حين حضر إليه جارهم ليخبره أن أحمد استشهد، ورأى المشاهد الصادمة لابنه ملقىً على سكة القطار ينزف دمًا، يقول: "هرعتُ إلى المكان حيث يحيط بطفلي الجنود الذين منعوني من الدخول، بينما كنت أصرخ مطالبًا بالاطمئنان على مصير ابني".

حينها اعتقلت قوات الاحتلال الأب، واكتشف في مركز التحقيق أن ابنه على قيد الحياة، وأن ابن شقيقه استشهد. تم عزل الطفل أحمد كليًا عن العالم لأربعين يومًا، لتفاجأ العائلة بعدها بالفيديو الذي يصرخ فيه أحمد بقوله "مش متذكر".

مشاهد مؤلمة وقاسية حرقت قلوبنا –يعلق صالح- مشيرًا إلى أنه لم يتمكن بعدها من الاطمئنان على أحمد، ونقل أخباره، سوى عن طريق المحامي طارق برغوث المعتقل حاليًا، ثم زارته إحدى المؤسسات ولاحقًا سُمح للعائلة بالزيارة، "وقد خضع للعزل الانفرادي عدة مرات، والحرمان من الزيارة كذلك".

قبل عام ونصف ذهبت العائلة لزيارته، إلا أن سلطات الاحتلال منعت والده من الدخول للزيارة وسمحت لشقيقيه الطفلين (12-14 عامًا) بالدخول، لكنهما عندما خرجا -يقول الأب- كانا في حالة حزن شديدة، إذ أخبرا أن "أحمد في حالة سيئة، يبكي بشكل مستمر، ويسرح كثيرًا، حالته صعبة، لقد حلق شعره بشكل غير منتظم، ويوجد عدة ضربات في يديه".

وضعٌ زاد من قلق العائلة، التي أصبحت سلطات السجون تقطّر أخبار ابنهم عليهم تقطيرًا، "أما الثابت فإصابته بمرض نفسي مزمن"، ويكمل والده: "هو في العزل الانفرادي لا يرى الشمس، ينام معظم الوقت بعد أخذ الدواء الذي لا نعرف نوعه حتى الآن، بينما لا رد على مطالباتنا بأن تشرف على حالة الطفل طبيبة نفسية فلسطينية".

عمه أبو إبراهيم، وهو والد الطفل الشهيد حسن، الذي قتلته قوات الاحتلال يوم اعتقال أحمد، قال: "كل العائلة تعرضت للعنف، في ذلك اليوم اعتقل ابني الذي يكبر حسن بعامين، وأفرج عنه بعد خمسة شهور، بينما تم احتجاز جثمان حسن لسبعة شهور، علاوة على أنني اضطررتُ لترك عملي كي أتفرغ لما حلّ بالعائلة من مصائب ألحقتها بها سلطات الاحتلال".

وتابع :"لم يسمحوا لأحد بزيارة أحمد سوى أبيه وأمه وإخوته، أما نحن حُرمنا من الاطمئنان عليه، أحمد حاول في البداية أن يتأقلم ولكن منذ عام ونصف وصل إلى مرحلة الإصابة بمرض نفسي، وهناك خطر على حياته".

وتطالب العائلة كافة المؤسسات الدولية والحقوقية بالعمل على إطلاق سراح أحمد بشكل عاجل، كي يتمكنوا من تقديم العلاج المناسب له، واحتضانه عائليًا واجتماعيًا.

المحامي خالد زبارقة، وهو محامي فلسطيني من الداخل المحتل، يتابع ملف أحمد مناصرة حاليًا، وقد استلم ملف المطالبة بالإفراج المبكر عنه، خاصة بعد قضائه ثلثي المدة.

وقدّم زبارقة شرحًا وافيًا للوضع القانوني لأحمد الذي اعتقل في أكتوبر عام 2015م، حين كان يبلغ من العمر 13 عامًا و9 أشهر، إذ تعرض لتحقيق قاسٍ من طرف المخابرات الإسرائيلية رغم أنه طفل، ووجهت له تهمة محاولة القتل دون اعتبارٍ لطفولته، "وقد ثبُت للمحامين أن محاكم الاحتلال في مثل هذه القضايا لا تسعى لكشف الحقيقة، بقدر ما تسعى لخدمة رواية أجهزة المخابرات".

وأضاف: "إجراءات المحاكم كانت قاسية بحق أحمد، ونحن نتكلم عن طفل حُكم عليه بالسجن 9 سنوات، وغرامة قدرها 180 ألف شيكل، أي ما يعادل 56 ألف دولار، وتوجيه تهمة محاولة قتل تمت إدانته بها، وهي سابقة قضائية أن يتم توجيه هكذا تهمة لطفل،  ناهيكم عن تطبيق قانون مكافحة الإرهاب عليه بأثر رجعي، كون القانون أقرّ بعد اعتقال أحمد".

ظلّ أحمد في العزل الانفرادي مدة تزيد على 15 يومًا، وتكرر العزل عدة مرات، وهذا أحد أساليب التعذيب المحرمة قانونيًا، وهي انتهاكٌ صارخ للقانون الدولي الإنساني، بينما يطالب طاقم المحامين بالإفراج عنه باعتباره كان طفلًا عند الاعتقال، ولقضائه ثلثي المدة، لكن الصعوبة أن لجنة الثلثين التي تبتّ في هذه القضة ادعت أن هذا البند لا يشمل المحكومين بمثل قضية أحمد.

يكمل المحامي: "في آخر زيارة قمت بها لأحمد وهو في العزل الانفرادي، كان في حالة سيئة جدًا، وتحدث كثيرًا عن فكرة الانتحار باعتبارها ليست حرام، وهذا مؤشر خطورة واضحة على حياته نتيجة وضعه الصحي".

كاريكاتـــــير