غزة:
"نخاف على أرواحنا أو لا نخاف! هذه أراضينا، ولا خيار أمامنا سوى زراعتها" تقول إحدى مزارعات الأراضي الحدودية أقصى جنوب شرق مدينة غزة. مرزوقة أبو عيسى، وهي من سكان قرية جحر الديك، تعاني كما غيرها من المزارعات في تلك المنطقة من انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي المستمرة، "لدرجة أننا يمكننا أن نعمل وبيننا وبين جنود الاحتلال في بعض الأحيان مسافة صفر" تكمل.
تلخّص مرزوقة "أم علاء" التي بلغت عامها الستّين، حال المزارعات الفلسطينيات على حدود قطاع غزة، بالقول: "نعاني الأمرّين هنا، يعتدي الجنود على مزروعاتنا بالمبيدات التي تتلف الأشتال والثمار"، تحاول ابتلاع غصّتها قبل أن تكمل: "أتلفوا مواسم الحصاد أكثر من مرة، بسببهم نعاني الفقر والخسارة الدائمين، نحن مكبلون بديون مواسم متلاحقة، ولا نتلقى أي تعويضات".
الأدهى -وفقًا لمرزوقة- أن حياتهم أصلًا في مرمى نيران الجنود متى شعروا بالتعطش لرؤية الدم والخراب. تضيف: "وجهي في وجه الجندي، لكن لا مكان للخوف، هذا رزقنا ورزق أطفالنا".

في قرية جحر الديك المهمّشة، حيث تعاني النساء وضعًا صعبًا في ظل نقص الخدمات لبُعد القرية عن مركز المدينة، وانتشار الشوارع الترابية الضيقة، التي تضطر السيدة –كما كل سكان القرية- للسير على الأقدام أكثر من نصف ساعة كل صباح للوصول إلى طريق مواصلات.
تعقّب: "الحمد لله على نعمة الصحة التي تمكنني من السير كل هذه المساقة يوميًا لمتابعة الزراعة".
ووفق تقرير أصدره مركز الميزان لحقوق الإنسان، فإن 35% من النساء المزارعات في المناطق الحدودية لقطاع غزة؛ تعرضن لإطلاق نار مباشر من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي المتمركزة عند السياج الفاصل، أو خلال التوغلات.
تزرع أم علاء البازيلاء، والحمضيات، والبطاطا، وهي إلى جانب الزراعة تعمل في مجال تربية الدواجن والأرانب التي تنقذ دخلها في حال فساد الموسم الزراعي، بسبب انتهاكات الاحتلال ضد أرضها والأراضي المجاورة.
تضيف: "فوق كل هذا، يغرق بيتي في الشتاء بسبب الأضرار التي أصابته خلال العدوان الإسرائيلي عام 2014م، الذي تجدد عام 2021م، مع العلم أنه لم يتم إعادة إعماره حتى اللحظة".
في اليوم العالمي للمرأة، أقصى ما تتمناه مرزوقة كما غيرها من المزارعات، إيقاف انتهاكات الاحتلال المستمرة بحق أرضها، وأن تحظى بالأمان في حياتها، وحياة أبنائها أيضًا.

قصة أخرى للمزارعة الفلسطينية سعاد محمد (أم صبري)، وهي أيضًا من قرية جحر الديك، وتواجه ذات المشاكل التي تعانيها جارتها أم علاء، وزيادة عليها معاناة زوجها المريض بالقلب، وتعطّل أبنائها عن العمل.
في بيت أم صبري المتواضع، 14 ابنًا يعتاشون بشكلٍ كاملٍ على الزراعة، ورغم ضيق الحال لم تفارق الابتسامة وجه السيدة التي تبلغ من العمر (49 عامًا). تقول لـ "نوى": "المهم أن نسلم من انتهاكات الاحتلال، وبعد هذا كل شيءٍ يهون".
تزرع أم صبري البندوة والكوسا والبطاطا، وتعتمد على الزراعة الموسمية، أما أكثر ما يخيفها إلى جانب اضطرارها للسير اليومي نحو الحدود الشرقية لقطاع غزة لأكثر من نصف ساعة، "التعرض لإطلاق النار"، الذي لطالما واجهته أثناء زراعتها أرضها.
تكمل: "حياتنا في منطقة جحر الديك تعتمد على الزراعة وتربية المواشي، إن أتلف الاحتلال زراعتنا فهذا يعني خسارة أكيد، والأقسى من ذلك عدم وجود أي تعويضات".
وسواءً كان الجو باردًا أو حارًا، فإن أم صبري تتوجه يوميًا إلى أرضها لمتابعة مزروعاتها، "الخوف على الحياة شيءٌ أكيد، ولكن ما العمل إذا كان المكان الملغوم بالموت هو مصدر رزقٍ وحيد؟" تتساءل.
تزيد: "تعرضت أرضنا للتجريف خمس مرات، وتلف الموسم الزراعي، لا مهنة لنا سوى الزراعة منذ الصغر، الكل يكتفي بالتوثيق ولا أحد يهتم أكثر"، موضحةً أنها على الأقل تحتاج إلى من يزود أرضها ببئر مياه، وتكلفة عملية الإنتاج من زراعة وسماد وغير ذلك كي تعوّض بعض الخسائر على الأقل.
أما عن المعيشة في قرية جحر الديك، فرغم هدوئها كونها منطقة زراعية؛ "إلا أن وجود مكب النفايات الرئيسي لمدينة غزة، الذي يستقبل يوميًا نحو ألف طن من النفايات الصلبة، يعكّر صفو الحياة ونقاء الهواء هناك".
تقول أم صبري: "تهبّ الروائح النتنة بين الفينة والأخرى بسبب مكب النفايات، خاصة عندما يتعرض للحرق، وهذا يؤثر على صحتنا وصحة أبنائنا، ويزيد من تأزم الأوضاع الصحية للمرضى الذين يعانون أمراضًا في الجهاز التنفسي"، مردفةً بعد لحظةٍ من الصمت: "هذا غير ما تتسبب به تلك الأدخنة الملوثة من ضرر لمزروعاتنا أيضًا".
تعاني أم صبري ضيق الحال، والفقر الشديد، رغم امتلاكها أرضًا زراعية، لكن انتهاكات الاحتلال إلى جانب قلة الدعم، تسبب في هذا الحال حتى تراكمت عليها فواتير الماء والكهرباء، وحتى تكاليف الدروس الخصوصية لابنها الذي يدرس الثانوية العامة.
في يوم المرأة العالمي، تبرق أم صبري بالتحية لكل النساء الفلسطينيات، فهن في نظرها الأقوى والأقدر على النجاح والتميز رغم كل الظروف، إلا أنها في ذات الوقت، توجه النداء لكل المؤسسات الداعمة أن "انتبهوا، فنحن المزارعات بحاجة إلى رعاية واهتمام أكبر.. فظروفنا لا يقوى على احتمالها أحد".





























