غزة:
في صبيحة كل يوم تخرج المزارعة فتحية أبو عمرة إلى أرضها الواقعة في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، حيث تقضي معظم نهارها في متابعة أشجارها وشتلاتها، ومن ثم تعود إلى بيتها لاستكمال مسؤولياتها المنزلية ورعاية الأطفال.
"هذا حالنا، كدٌّ وتعب على مدار الساعة"، تقول السيدة التي توشك على تخطّي عامها الأربعين، مضيفة: "مسؤوليات المرأة الفلسطينية كبيرة وثقيلة، ما بين حالة الفقر والحصار الإسرائيلي، ومسؤوليات البيت المتراكمة في ظل ضيق الحال والوضع النفسي السيّء".
فتحية، هي واحدة من آلاف النساء الفلسطينيات في قطاع غزة، اللواتي يستقبلن آذار "شهر المرأة"، في ظل حصارٍ يطبق على قلوبهن -كما أكثر من مليونَي إنسان- منذ ما يزيد على 16 عامًا، وبطالةٍ مستشرية، وأحوالٍ اقتصادية واجتماعية صعبة، وارتفاعٍ في منسوب العنف أيضًا.
تقول أبو عمرة تعقيبًا على ذلك: "تتحمل النساء فوق طاقاتهن بكثير، نحن ضحايا الفقر، ورغم ذلك نعطي الأولوية لأبنائنا على حساب أنفسنا، مثلًا لو احتجت إلى زيارة طبيب فلن أفعل، الألوية لتعبئة اسطوانة الغاز".
وتتابع: "أنا مزارعة، ورسالتي في هذا اليوم تتعلق بضرورة الاهتمام أكثر بالمزارعات، فالمؤسسات تعطي الأولوية للمزارعين الرجال، وحتى بعض ما يتم تقديمه للنساء في النهاية، تذهب فائدته للرجال، رسالتي أن يهتموا بنا أيضًا، هذا ما يعنيه آذار بالنسبة لي".
أما السيدة أم محمد عاشور، فترى أن آذار يعني أن تحصل المرأة الفلسطينية على حقوقها المهمّشة، وأن تتمكن النساء الفقيرات من العيش بكرامة.
تعمل الخمسينية أم محمد بائعةً لملابس الأطفال. لقد أرهقتها الحياة منذ انفصلت عن زوجها قبل 25 عامًا، حين بدأت تبحث عن مصدر دخل تسدّ به رمق عائلتها.
في القطاع المخنوق فقرًا وبطالة وانقسامًا، يبدو أن الاحتفال بهذا اليوم لا يعني شيئًا للمرأة التي تضطر للغسل اليدوي إثر انقطاع الكهرباء، أو الاستيقاظ ليلًا لإتمام عملها كما يحدث مع أم محمد.
توجّه السيدة عاشور التحية للنساء الفلسطينيات، واصفةً إيّاهن بـ"أقوى النساء على وجه الأرض" نتيجةً لما يتحملنه من ظروفٍ قاهرة؛ لكنها في ذات الوقت تعي أن هناك الكثير من الظروف الاجتماعية التي تحدّ من حريتهن، وحصولهن على أبسط الحقوق أيضًا.
وتؤكد أن آذار يعني بالنسبة لها ولغيرها من النساء اللواتي يعشن في غزة، أن يتمكنّ من العيش بكرامة بعد الطلاق، وألا يدوروا في المحاكم "كعب داير" عندما تستحيل الحياة مع الزوج، ويطلبن التفريق. تضيف: "يعني أيضًا أن تعمل المؤسسات على تطوير مشاريعنا الخاصة دون قروض ترهقنا، خاصةً وقد امتلكنا الخبرة في التعامل مع التجار والزبائن".
أما الشابة فداء مفيد (27 عامًا)، فقد دمّر الاحتلال منزلها خلال عدوانه على قطاع غزة عام 2014م، ونظرًا لتأخّر مبالغ التعويضات، فقط اضطر زوجها قبل ثلاث سنوات إلى اقتراض مبلغٍ كبير لإتمام بناء بيته الذي يسكنُه حاليًا، بسبب صعوبة استمراره في دفع إيجاراتٍ لا طاقة له بها.
تقول فداء وهي أم لأربعة أطفال: "نحن مُثقلون بالديون وهذا أكثر ما يؤرقني، أظن أن آذار بالنسبة لي يعني أن أرتاح من كل هذا، آذار يعني أن أعيش بلا قروض ولا ديون، ويعني أن أعيش آمنة في بيتي، وهذا غير مضمون، فالاحتلال قد يشن عدوانه علينا في أية لحظة، آذار يعني ألا أخاف على زوجي وأطفالي وعلى نفسي من قصفٍ مفاجئ قد تضيع معه أرواحنا، كما ضاعت أرواح الآلاف، ولم يلتفت لهم أحد في هذا العالم".
أما السيدة هند أحمد، وهي ربة بيت من بلدية بيت لاهيا شمال قطاع غزة؛ فتؤكد موقف سابقاتها، مضيفة: "إن آذار يعني أن يتم تعديل القوانين الفلسطينية، بحيث تصبح أكثر عدالةً للنساء، فليس من المعقول أن تعاني من قضية ميراث لسنوات دون أن تجد حلًا، وليس من المعقول أيضًا أن تقف في المحاكم لسنوات من أجل الحصول على حقها في الطلاق وحضانة أبنائها".
تصمت قليلًا، وتذوب في تفكيرٍ طويل، ثم تكمل: "آذار يعني ألا يكون جدول الكهرباء فقط ثلاث ساعات يوميًا، فأضطر للاستيقاظ في وقت متأخر من الليل من أجل أعمال المنزل"، موضحةً أن النساء يقع عليهن عبء رعاية الأسرة، وتوفير احتياجاتها اليومية، مهما كان الوضع قاسيًا.
إذن؛ آذار آخر يمر على المرأة الفلسطينية في قطاع غزة، ومشاكلها ومعاناتها ما زالت تتجدد بل وتتفاقم، الأعباء النفسية والمادية تزداد، وتضع المنظمات العالمية الحقوقية وحتى النسوية أمام حقيقةٍ كبيرة تقول: "أنتم فعليًا لم تقدموا للمرأة الفلسطينية إنجازًا حقيقيًا يستطيع تغيير واقعها المنهك تحت الاحتلال، وداخل بقعةٍ محاصرةٍ من الأرض".
























