برشلونة:
"أخيرًا فعلتُها"، قالتها براء أبو عساكر والفرح يتراقص بين كلماتها خلال اتصالٍ هاتفيٍ بـ"نوى". الشابة الفلسطينية التي تبلغ من العمر 28 عامًا، حصلت على براء اختراعٍ من جامعة "برشلونة" في أسبانيا حيث تدرس، بعد اكتشافها لمركب يثبط البروتين المسرطن لدى مرضى سرطان البنكرياس، "لكن لكل إنجازٍ قصة.. نحن لا نحصد النجاح مصادفةً" تقول.
لم يفُت الشابة التي ولدت في مدينة رفح جنوب قطاع غزة، أن تتحدث بدايةً عن الطريق الوعرِ من قطاع غزة إلى برشلونة، وعن التحديات العظيمة التي واجهتها بدءًا بتخرّجها من قسم التكنولوجيا الحيوية بالجامعة الإسلامية في غزة عام 2016م، مرورًا بعملها كمعيدة لمدة عام، التحقت خلاله أيضًا ببرنامج الماجستير، وصولًا إلى حصولها على منحة زمالة في جامعة برشلونة.
والتكنولوجيا الحيوية، هو أحد تخصصات كلية العلوم الحديثة نسبيًا، إذ يُعنى بتوظيف الكائنات الحية، أو جزء منها لخدمة قطاعات مختلفة، "طبية، وصناعية، وزراعية، وبيئية، وفي مسارح الجرائم، وغير ذلك"، وهو تخصص اختارته براء كونها تميل للجزء الطبي الحيوي من التخصصات، وكانت طوال الوقت ترغب في إضافة شيءٍ ينفع الناس، "كنتُ أحلمُ بأن أترك بصمتي في المجال الذي أدرسه. بصمة تخدم البشرية جمعاء" تعقب.
ورغم صعوبة التخصص؛ كانت براء تشعر بمتعة في دراسته، فهو يستجيب لرغبتها الجامحة في دراسة ما يتعلق بالجسم البشري، وكيفية جعل حياة الناس أفضل.

لدى رؤيتها لإعلان توأمة مدته 6 شهور مع جامعة برشلونة، تقدمت فورًا، تقول: "رغم الإمكانيات العلمية والمخبرية العالية لدى الجامعة الإسلامية حيث أدرس، إلا أنني كنت أؤمن بأن ثمة إمكانيات غير متوفرة نتيجة للحصار الإسرائيلي، لذا أردت توسيع خبرتي ومجال بحثي".
وتزيد: "كان ذلك عام 2017م؛ أول عقبة وقفت في وجهي هي إغلاق معبر رفح، والانتظار لشهور، كدتُ أن أفقد المنحة لولا أن تمكنت في آخر أسبوع من السفر عبر حاجز بيت حانون "إيريز""، مشيرةً إلى وجود عقبات أخرى متعلقة باختلاف البيئة والمكان واللغة، وحتى طريقة التعليم.
"إنها 6 شهور، وعليَّ أن أنجز ما أتيتُ لأجله" بهذا كانت تقنع براء نفسها كل يوم عدة مرّات، لا سيما وقد تخصصت هناك في مجال الطب الحيوي، الذي يبحث في عدة أمراض من بينها السرطان، والخلايا الجذعية، والجهاز الهضمي، والسكري، والسمنة، وغيرها.
بعد أن وقع اختيارها على مرض السرطان، وإتمامها الستة أشهر، قررت البقاء لإكمال الدراسة. تردف: "اخترته لأنه من أصعب الأمراض التي تخوض البشرية ضدها حربًا، رغِبتُ بالمشاركة في هذه المعركة العلمية"، وهذا ما كان. لقد تم قبولها من قبل فريق الأساتذة في جامعة برشلونة لإتمام ما بدأت به.
والحقيقة أن وجودي بعد انتهاء المنحة كان معضلة، "سهّلتها عليّ أستاذة دعمتني هناك، ووفرت لي فرصة عمل بعقد في مختبر خاص بها (..) يبدو أنها كانت تؤمن بأن ثمة إنجاز سأحققه، وهكذا بقيتُ وحصلتُ على فرصة منحة أخرى لدراسة الدكتوراه" تتابع.
كثيرون حاولوا دراسة هذا المرض الذي يعدّ ثاني أسباب الوفاة عالميًا، ويموت بسببه أكثر من 9 ملايين إنسان حول العالم سنويًا؛ لكن الجديد الذي تقدمه الباحثة براء هو أن المركّب الذي ابتكرته يلتحم مع بروتين الخلية السرطانية الذي حدثت فيه الطفرة التي سببت السرطان، ما يثبط عمل البروتين، وهو ما نجحت في تحقيقه براء.
وبدراسة تأثير المركّب على الخلايا السرطانية، والخلايا الطبيعية، تبيّن أنه يؤثر فقط على الخلايا السرطانية وبنسبة 80% وهو ما يعدّ نجاحًا إضافيًا للمركّب.
وتكمل: "عندما وصلتُ لهذه النتائج، كان عليّ التقدم لتسجيله كبراءة اختراع لحفظ حقوقي قبل الانتقال للمراحل اللاحقة من التجريب، ومن ثم التسويق الطبي له".
بعد نجاح مركّبها في التعامل مع سرطان البنكرياس، تدرس الباحثة براء حاليًا مدى تأثيره على أنواع أخرى من السرطانات، وتأمل أن يحقق نتائج مشابهة، "فقد فتح آفاقًا مهمة بهذا الخصوص"، مؤكدةً أنها تستعد للمرحلة الثانية المتعلقة بتجربته على الحيوانات، ثم على المرضى قبل الانطلاق للتسويق الطبي له، "على أمل أن أنجح في رفد البشرية بهذا المنتج المهم، وبطبيعة الحال إيصاله إلى فلسطين".
تقول الشابة المُلهِمة: "أفتخر بفلسطينيتي، وبأنني نجحتُ في تقديم خدمةٍ للبشرية"، مختتمةً لقاءها بـ "نوى" بالقول: "كلما تعلّم الإنسان أكثر، يدرك كم هو بحاجة لمزيد من العلم (..) أنا آمل بأن أتمكن من مواصلة طريق البحث الذي بدأتُ فيه، وتقديم المزيد من الابتكارات للبشرية، هكذا بدأت طريقي، وهكذا سأمضي".



























