شبكة نوى، فلسطينيات: نابلس:
على مرأى ومسمع المواطنين، يطلق جنود الاحتلال الإسرائيلي وابلًا من الرصاص صوب سيّارةٍ تُقل ثلاثة فلسطينيين على طرف شارعٍ جانبيٍ بحي "المخفيّة" في مدينة نابلس شمال الضفة الغربية، ووسط حالةٍ من الذهول يغادرون تاركين وراءهم ثلاثة شهداء بأجسادٍ ممزقة.
بعد وقتٍ أُعلنت أسماؤهم: الشهيد محمد الدخلي، والشهيد أشرف مبسلط، والشهيد أدهم المبروك، الذين نقلوا إلى المستشفى وسط هتافات التكبير، والمطالبة بالانتقام، التي استمرت تصدح في سماء المدينة إلى ما بعد تشييعهم.
بتول كوسا، هي صحفيةٌ فلسطينيةٌ تقطن الحي الذي يقع جنوب غربي المدينة، وصاحبة أول فيديو تم نشره حول جريمة الاغتيال. تروي ما حدث لـ "نوى"، فتقول: "كانت سيارة من طراز كادي تقف في المنطقة، وبالقرب منها سيارة نقل ركاب بلوحة فلسطينية، تقلُّ مجموعةً كبيرةً من الجنود، بينما يرتدي السائق لباسًا مدنيًا".
تكمل: "ما هي إلا لحظات، حتى مرّت سيارة من نوع "فيات" رمادية اللون (كانت تقل الشبان الثلاثة)، فإذا بوابلٍ من الرصاص ينطلق صوبها من طرف الجنود، استمر لأكثر من دقيقة بشكل متواصل، وعندما تأكد الجنود من تصفية الثلاثة غادروا أمام ذهول المارة التام".
تشير بتول إلى أن العملية كانت مباغتة وسريعة، بالإضافة إلى أن لباس السائق المدني، لم يجعل أحدًا يشكُّ بأن ركاب سيارة النقل جنود "بكامل زيهم العسكري".
المنطقة التي وقعت فيها جريمة الاحتلال بالعموم هادئة –وفق وصف بتول- فهي حي سكني مكتظ بالسكان، سرعان ما قصده الناس الذين حاولوا تقديم المساعدة للشهداء دون جدوى، حتى حضرت سيارات الإسعاف، والصحافة بعد دقائق قليلة.
وبعيدًا عن تفاصيل الواقعة التي باتت معروفةً بالنسبة للمواطن الفلسطيني داخل وخارج حدود فلسطين، فإن ما حدث عاد ليفتح ملف الاغتيالات الميدانية المباشرة، التي كانت تنفذها سلطات الاحتلال الإسرائيلي بحق المقاومين الفلسطينيين في قلب المدن خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية.
المحلل المختص في الشؤون الإسرائيلية عصمت منصور، قال لـ "نوى": "أجواء الإضراب الذي بدأ فجر اليوم حدادًا على أرواح الشهداء الثلاثة في نابلس، تعيدنا إلى مشاهد الجنازات الضخمة، والمسلحين المنتشرين في الشوارع"، ملفتًا إلى أن هذا التصعيد "يأتي في إطار تزايد العمليات في الضفة الغربية، ورغبة الاحتلال في إرسال رسالة رادعة".
ولدى الاحتلال اعتباراتٌ داخلية وفق منصور، "فوزير جيش الاحتلال الإسرائيلي بيني غانتس، يريد تقديم أوراق اعتماد لجمهوره، ليس فقط باعتباره يقدم تسهيلات للسلطة الفلسطينية، بل بصفته قادرًا على تنفيذ الاغتيالات أيضًا كقائدٍ عسكريٍ فذ"، مستبعدًا أن تكون الجريمة قد تمت بتنسيق أمني مع السلطة الفلسطينية؛ "إلا أنها في كل الأحوال تشكل إحراجًا لها، كونها تمت في قلب مدينة تسيطر عليها السلطة الفلسطينية".
ويضيف: "هذه العملية كصفعة على خد السلطة، كونها تأتي في وقتٍ وصلت في الاتصالات مع السلطة الفلسطينية إلى ذروتها (..) وكأنهم يقولون لها: رغم الاتصالات، نحن نفعل ما نريد، أينما نريد، ووقتما نريد".
وفي ظل انعقاد المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، فإن منصور يرى في هذه الجريمة، إضعافًا لموقف السلطة أمام الشعب الفلسطيني، لا سيما وأن ردها جاء هزيلًا، "وهنا لا بد عل المجلس أن يتخذ قرارات عملية، من شأنها تغيير العلاقة مع الاحتلال، وتغيير وظيفة السلطة بالشراكة مع باقي الفصائل الفلسطينية".
بدورها، تقول الصحافية والباحثة السياسية شيماء مرزوق: "لقد اعتدنا على جرائم الاحتلال لكن هذه الجريمة أرجعتنا الاغتيالات التي كانت تنفذ مطلع الانتفاضة الثانية (..) هذه الجريمة ببشاعتها تؤكد أن الاحتلال يشعر بالتهديد الكبير، وبالتالي قرر التدخل المباشر بتصفية الشبان الثلاثة الذين يزعم أنهم خلف عمليات إطلاق النار التي تزايدت في نابلس خلال الفترة الأخيرة".
وترجّح مرزوق أن الأمر له علاقة بالوضع الداخلي الفلسطيني، من ناحية ارتباطه بتصاعد المقاومة، وثانيًا بالوضع الداخلي للاحتلال الإسرائيلي، "فالاحتلال ليس في وضعٍ مريحٍ بالضفة، والتقدير الاستراتيجي لعام 2022م يقول: إن الضفة الغربية أحد أهم الساحات التي تشكل تهديدًا للاحتلال".
أما فيما يتعلق بالوضع الداخلي للاحتلال (والحديث لمرزوق)، فحكومة "بينيت" ضعيفة، وهي تؤجل كل الملفات التي تحتاج إلى قرارات وتدخل حقيقي.
لكن سياسة التنسيق الأمني لم تكن غائبة وفق تقدير مرزوق، التي ترى أن العملية جرت في مناطق السلطة الفلسطينية المصنفة (أ) في منطقةٍ تتوسّط المدينة، وداحل حي سكني على مقرُبةٍ من مقرّات أمنية، "وهذا يتطلب متابعة وإخلاء مقرات السلطة" تردف.
وتذكّر مرزوق أن السلطة الفلسطينية تمتلك الكثير من أوراق القوة في التعامل مع هذه الجريمة وغيرها، مثلًا: محكمة الجنايات الدولية التي تشكل رعبًا للاحتلال، أو وقف العلاقات مع قادته، وحرمانه من تدفق المعلومات الحاصل، مستبعدةً أن تقدم السلطة الفلسطينية على تنفيذ ذلك، "فسياسة الرئيس محمود عباس واضحة، هو لا يريد أي مواجهة مع الاحتلال، سواءً سياسية أو أمنية" تختم.
























