شبكة نوى، فلسطينيات: الخليل:
تجربة الإضراب عن الطعام التي يخوضها الأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي لانتزاع حريتهم رغم أنف ما يسمّى بإدارة مصلحة السجون، لا تشبهها تجربة. المارُّ بأولى خطواتها يعلم تمامًا أنه يخطو في طريق مغامرةٍ لا يعرف كيف تنتهي؟! والخارج منها يرفع علامة النصر "مولود" في حياةٍ جديدة.
كايد الفسفسوس، الذي أضرب عن الطعام 131 يومًا، وتحرر في الخامس من كانون الأول/ ديسمبر الماضي، بعد اعتقالٍ إداري لعامٍ وأربعة أشهر.. يحكي لـ "نوى" الحكاية، ويجيب عن السؤال المتكرر: لماذا قد يتخذ أسير فلسطيني قرار الإضراب أصلًا؟
ويبلغ مجموع سنوات الاعتقال الإداري التي قضاها كايد في سجون "إسرائيل" 7 سنواتٍ متقطّعة خلال 14 عامًا فقط، كانت أقل مدةٍ فيها لا تقل عن 24 ساعة.
اعتقالات لا تنتهي
اعتقل كايد –الذي يعمل أمين صندوق في بلدية دورا- أول مرة عام 2008م، وكان يبلغ من العمر حينها 18 عامًا. "قضيت وقتها حكمًا بالسجن 3 سنوات بتهمة المشاركة في فعاليات داعمة للانتفاضة الفلسطينية" يقول.
ما إن وضع قدماه على عتبة مرحلة الشباب حتى استقبله اعتقالٌ جديد تحرر منه نهاية 2011م، فظنّ أن عليه مواصلة تعليمه في تخصص الحاسوب بجامعة الخليل، لولا أن بيته أصبح مزارًا دائمًا لجيبات الاحتلال التي تعتقله تارةً، وفي أخرى تعتقل أحد إخوته.
ولما تزوّج الشاب وأنجب "جوان" التي تبلغ من العمر 7 سنوات الآن، لم يهنأ بالاستقرار في حياته الأسرية، فالاعتقالات الإدارية نغّصت حياته. يعقب بقوله: "هي فعليًا اعتقال لمدى الحياة، ولكن بشكل متقطّع.. هو اعتقال يقلب الحياة فعليًا".
وفي عام 2019م، اعتقلته قوات الاحتلال إداريًا لمدة 10 شهور، وحينها خاض إضرابًا مدة 20 يومًا وتم الإفراج عنه، أما الإضراب الأخير فقصته مختلفة.
يقول لـ "نوى": "بعد 10 أشهر من الإفراج عني، اعتقلت مرة أخرى في تموز/ يوليو 2020، وكما كل مرة تم عرضي على شرطة الاحتلال التي اعتادت توجيه تهم عامّة، مثل الانتماء لتنظيم سياسي، أو المشاركة في فعاليات فلسطينية معينة بهدف وضعي تحت ضغط نفسي كبير"، متابعًا: "هذا يمر به كل الأسرى، أذكر أن شرطي الاحتلال قال لي يومها: وحتى إذا اعترفت ستُعتقل إداريًا".
قضى كايد 72 ساعة وفقًا لقرار القاضي الإسرائيلي للنظر في ملفه، لكن الحقيقة أن الاعتقال الإداري قُضي في تلك اللحظة ضمن "مسرحية لعب بالأعصاب"، ينتقل خلالها الأسير عادةً إلى السجن، فتمر الأيام هكذا.. لا تهمة ولا حكم.
بين سجن "ريمون" وسجن "النقب" الذي أعلن فيه إضرابه، قضى الفسفوس فترة اعتقاله، هناك عايش كل ظروف السجن القاسية من ضيق الغرف، والازدحام، والإهمال الطبي، ومعاملة السجانين السيئة، "ليبدأ الدافع الجديد نحو الحرية" يعلق.
ويكمل: "غرف السجن بيئة خصبة لانتقال الفيروسات والأمراض، غرفة ضيقة بمساحة 2*4 أمتار، فيها خمسة أسرى على أسرّة مزدوجة (طابقين)، وحمام مشترك داخل الغرفة، وسخان واحد لمياه الشرب، ناهيكم عن قلة أدوات التنظيف، التي طالب الأسرى بجلبها كثيرًا على نفقتهم الشخصية، لا سيما في ظل جائحة كورونا دون جدوى".
إصابات كورونا انتقلت للأسرى عن طريق السجانين كما يؤكد الفسفوس، بل إن الاحتلال استخدم الجائحة كمبرر للتضييق على الأسرى، وحرمانهم من الخروج لساحة السجن التي يسمونها الفورة، وهي لا تزيد على ساعة يوميًا، "بالإضافة إلى الإهمال الطبي الواضح، فعيادة سجن الرملة لا يتوفر فيها أدوية، وإن الأسير الذي يتعرض لمرض فعليًا يحتاج إلى وقت طويل كي يتم نقله إلى مستشفى، وحينها تكون حالته قد تفاقمت مثلما حدث مع كثيرين" يتابع.
بعد التشاور مع أشقائه وأسرى آخرين، أعلن كايد إضرابه بتاريخ 15 تموز/يوليو 2021، ورغم محاولة إدارة السجن عقابه بنقله و17 أسيرًا أضربوا عن الطعام إلى زنازين العزل، وبث روح الإنهزام في قلوبهم، إلا أنهم أصروا على المواصلة، حتى أن السجانين كانوا يتعمدون تناول الطعام وطهيه أمامهم لثني إرادتهم، بينما هم يتألمون.
يردف: "صلبنا في الساحات لفترات طويلة، لكن لأن جسدي رياضي تحملت أكثر من آخرين، وتوقعت أن أتعرض لضغطٍ وتعنيفٍ أكثر من غيري، وقد حدث".
قضى كايد 42 يومًا في زنازين سجن النقب، ثم 15 يومًا في عزل معتقل عسقلان، ثم خمسة أيام أخرى في عزل معتقل الجلمة، في ظل تعذيبٍ متواصل، حتى تقرر نقله في اليوم الستين من إضرابه إلى مستشفى سجن الرملة، حيث بقي هناك حتى تحرره.
يقول: "توقعت أن يستمر إضرابي لـ 70 يومًا، لكن ما لم أتخيله أن أصمد لـ 131 يومًا! لم أتوقع أصلًا أن بإمكان الإنسان البقاء على قيد الحياة هذه المدة، كنتُ أكتفي بشرب الماء ومعه قليل من الملح، وكنتُ أعرف أن هذا ستلحق به آثار صحية صعبة". يصمتُ قليلًا قبل أن يكمل: "كثيرًا ما شعرت بأن روحي ستفارق جسدي، لكن ما جعلني أتحمل هو حبي لطفلتي جوان التي كنت أتمنى العيش معها بهدوء".
يشرح الفسفوس تجربة الإضراب لتقريب الصورة، فيكمل: "في الأيام الثلاثة الأولى، يشعر الأسير بالصداع الشديد، أما في باقي الأيام، فالآلام تتوزع بين المعدة، والعظام، والعضلات، والدوار، والشعور بألمٍ في القلب وما يشبه التمزّق"، ماضيًا بالقول: "هو خيار قاسٍ، لكن من يجرب الاعتقال الإداري والمعاناة النفسية معه، لن يبقى أمامه سوى خوض هذه التجربة".
حُرم الفسفوس خلال هذه المرحلة من زيارة عائلته، سوى من مرةٍ واحدة حظيت فيها زوجته وطفلته برؤيته بعد ساعات من الانتظار! حدث ذلك بعد مرور 100 يوم من الإضراب، لكنه يصفها بقوله: "كانت القوة العظمى التي أمدتني لباقي الأيام الصعبة.. هما من دفعاني حقًا للمواصلة".
يشير الفسفوس إلى تعرضه خلال هذه التجربة للكثير من المساومات من قبل الاحتلال، الذي كان يرسل أشخاصًا وهميين يدعي أنهم ممثلين عن الأسرى، بهدف دفعه لوقف الإضراب، ناهيك عن محاولات الاستفزاز المستمرة، وتخويفه من التغذية القسرية المعروفة بأنها تشكّل تهديدًا على حياة الأسير، التي ذهب ضحيتها أسيران في السبعينات.
بعد أن رضخ الاحتلال لمطالب كايد أفرج عنه، ها هو اليوم حر.. يقضي وقته في ممارسة هواية الرسم التي يحبها ويكرسها لخدمة قضية الأسرى، ويسعد بقضاء وقت أكبر مع عائلته خاصة طفلته جوان التي حرّكت صورها مشاعر الناس وقت اعتقاله، حين رفعت صوره وهي تقول "أريد أبي حيًا".
رسائل التضامن التي وصلته أشعرته بالمسؤولية بشكل أكبر –حسب تعبيره- إذ أشعرته بأن قضيته لم تعد شخصية، وعندها قرر أنه يريد أن ينتصر، ليس لنفسه وحسب، بل للناس التي تدعمه، وتجد في انتصاره نصرًا لهم.
































