شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م19:33 بتوقيت القدس

تكلفة الحل لا تزيد على (80) ألف دولار..

مفترق "المشروع".. الموت على هيئة "طريق" برفح!

22 ألف مواطن يسكنون الشوكة عرضة للخطر أثناء تنقلاتهم بسببه
16 نوفمبر 2021 - 14:25
إسلام الأسطل و رغدة ماضي

شبكة نوى، فلسطينيات: رفح/

ينفطر قلبها في كل مرةٍ ينطلق فيها أطفالها إلى المدرسة مشيًا على الأقدام، فهم كل من  تبقّى لها بعد وفاة والدهم بحادِث طُرق، حينما كان يقطعُ المفترق القريب من منزله عند المدخل الجنوبي لشرقي مدينة رفح جنوب قطاع غزة.

ورغم مرور سنوات على الحادث، إلا أن تفاصيله لا تكاد تفارق مخيلة السيدة مها أبو الحصين، لا سيما وأن الحوادث عند ذات المفترق تحصد سنويًا ضحايا جُدد.

تقول ": "اضطررتُ إلى توفير سيارةٍ لتوصيل أطفالي من وإلى المدرسة؛ رغم العبْء المادي الذي سيترتب على الأمر"، مؤكدةً أن أي ظرف قد يمنع السائق من الوصول إلى المكان لنقل الأطفال، أو أي اعتذار من قبله لأي ظرف هو بمثابة "كارثة" بالنسبة لها، إذ تضعها في دوامةٍ من الخوف والحيرة حتى انتهاء الدوام المدرسي على حد وصفها.

تعود أبو الحصين إلى لحظة وفاة زوجها، فتروي التفاصيل وتبدأ بالقول: "كان زوجي يومها في طريقه نحو البقالة القريبة من المدرسة الابتدائية، لكن إحدى السيارات دهسته عند المفترةق فتوفي على الفور".

وتتابع: "بعد فترةٍ قصيرة، تعرض ابن سلفي (أخو زوجي) لحادثٍ مشابه تمامًا حينما كان يقطع الطريق باتجاه البقالة، وفقد حياته، ما جعلني دائماً حبيسة البيت برفقة أطفالي خوفاً".

الطريق عند نقطة المفترق سريعة، وترتادها الشاحنات المحملة بالبضائع، المتجهة من وإلى معبر كرم أبو سالم، و"هذا هو السبب في أن الكثير من الأرواح تُزهق" تعقب.

تؤكد السيدة أنها وعدد كبير من السكان توجهوا عدة مرات بالشكاوى لبلدية الشوكة، "لكن في كل مرةٍ يكون الرد جاهزًا: هذا الخط سريع، ولا وجود لأي حلول حالية بخصوصة. كل ما عليكم فعله هو أخذ المزيد من الحيطة والحذر لدى تنقلكم عبر الطريق" تردف.

وتزيد: "كان من ضمن مطالبنا وضع حواجز مرورية على الأقل، يمكن أن تضمن تخفيف السرعة للشاحنات والعربات، لكن حتى هذا لم يحدث، كل شكاوينا لم تجد أذنًا صاغية".

مطالبات تذهب أدراج الرياح

في ذات الشارع، نفس العائلة فقدت الطفل عبد الله (خمس سنوات) العام الماضي. تقول والدته :"كنت أرافقه أثناء ذهابه إلى الروضة وعودته منها، خشيةً عليه من الخط السريع، لكن قدر الله نافذ"، شارحةً ما حدث بنبرة أسى بدت جليةً في صوتها: "في إحدى المرات كان يلحق بشقيقته نحو البقالة المقابلة للشارع، فأتت سيارة مسرعة وألقته بعيدًا، فسقط على الأرض جثة هامدة".

بعد هذه الحادثة الأليمة، تكاد أم عبد الله تضع طفليها الباقيين بين رموش عينيها خوفًا عليهما من المفترق الذي صار يزورها في أحلامها بشكل شبه يومي

مواطنون: نجمع أطفالنا بـ"توكتوك" لعلهم يصلون مدارسهم بأمان

وتتمنى السيدة أن تستجيب البلدية والوزارات المختصة، لمطالبات سكان المنطقة بإيجاد حلٍ جذري يحميهم وعائلاتهم من الحركة المرورية السريعة على الشارع، تلك التي تودي بحياة الأبرياء، قائلةً: "مطالباتنا تذهب أدراج الرياح.. لا أحد من المسؤولين يهتم"

ويؤكد صدام أبو الحصين (من سكان المنطقة)، بدوره، أن عائلته وحدها فقدت على هذا الطريق ما يقارب 25 إنسانًا، ملفتًا إلى أنه طالب البلدية أكثر من مرة بإيجاد حل، "وأبدى استعداده لعمل حواجز على المفترق لتبطئة حركة السير السريعة، لكن البلدية رفضت بقولها: هذا طريقٌ سريع، ويمنع وجود حواجز مرورية عليه".

يضيف: "نضطر إلى تجميع أطفالنا، وإرسالهم إلى المدرسة بالتوكتوك، رغم أنه لا يقل خطورة على هذا الطريق السريع، لكن هذا ما نستطيع توفيره في ظل تجاهل البلدية".

المشكلة كما يفصلها المواطن أحمد الهسي، بدأت منذ سنوات، عندما قامت البلدية برصف الطريق، الذي يزيد عرضه على 24 مترًا، وهو خط سريع خصوصًا أن كل الشاحنات القادمة من وإلى كرم أبو سالم تمر منه، "وهذا تسبب بمئات الحوادث خلال السنوات الماضية، ويا للأسف، البلدية أذن من طين وأخرى من عجين" يقصد بلدية الشوكة.

حلول هشة

يلفت المواطن الهسي إلى الكثير من الوعود التي تلقاها السكان، "مرةً بإنشاء جسر كهربائي، وأخرى بعمل رمزون مروري، وثالثة بعمل دوار، إلا أن الحال بقي على ما هو عليه، وكل ما هنالك أنهم وضعوا بعض المطبات الضعيفة التي لا تغني ولا تسمن من جوع.

يضحك متهكمًا: "مطالباتي بالحل بدأت حين كان طفلي في الصف الأول، واليوم ها هو في الصف التاسع"، مكملًا: "خلال هذه السنوات التسع فقدت كثير من العائلات أطفالها، وفي كل مرة كنا ننفطر خوفًا على أطفالنا".

أما الطفل الذي أصبح فتى يعتمد على نفسه اليوم؛ فهو لا ينسى الوصايا العشر التي تتكرر –حتى هذه اللحظة- وبشكلٍ يومي قبل الخروج من باب البيت، "اتطلع (انظر) يمين وشمال، واستنى (انتظر) حتى تمر الشاحنة، وكذلك الأمر بعد اجتياز المفترق الأول". يضيف: "كنا نتجمع وننتظر مرور الشاحنات ثم ننطلق ممسكين بأيدي بعضنا البعض نحو الرصيف الفاصل".

يرى المواطن أن الجهات المسؤولة تغض النظر عن تنفيذ أي حل يمكنه أن ينأى بهم وأطفالهم عن الخطر، "فلا مسؤولين أو أشخاص ذوي سلطة يسكنون بالمكان، لتوليها البلدية اهتمامًا" يلمّح.

بلدية الشوكة تقر بالمشكلة

من جانبه، يقر رئيس بلدية الشوكة زياد الدباري أن المفترق بالفعل يشهد الكثير من حوادث الطرق سنويًا، وأنه بحاجة لحل جذري، لكن الإشكالية في الإمكانيات والتمويل، وفق تأكيده.

وأوضح الدباري أن نتائج عدة اجتماعات للجنة السلامة المرورية التي تضم البلديات المختصة، ووزارة النقل والمواصلات والأشغال، خلُصت إلى ضرورة عمل دوار في المفترق كحلٍ وجذري للمشكلة،وقال: "تم أخذ الموافقة من وزارة الأشغال، وننتظر البدء بتنفيذه".

وفيما يخص المطبات أكد الدباري أنها وُضعت بشكلٍ مؤقت لحين تنفيذ المشروع، لكنها لن تكون بديلًا، كونها أصلًا غير قانونية من ناحيةٍ مرورية، "ولا يمكن أن نعدّها حلًا".

البلديات: الأشغال جهة الاختصاص الأولى

أما مدير المشاريع في بلدية الشوكة، المهندس إياد أبو لبدة، فأكد أن هذا المفترق، ومنذ إعادة تأهيله، يشهد عشرات الحوادث سنويًا، "وبعضها أدت إلى حوادث وفاة"، ملفتًا إلى أن أن المفترق بعرض 53 مترًا، وبأربع مسارات.

وقال: "الإشارات المرورية ليست ذات قيمة فيه في ظل عدم وجود إشارات ضوئية (..) ما يزيد عن 22 ألف مواطن يسكنون بلدة الشوكة بأحيائها المختلفة، عرضةً لخطر حوادث الطرق أثناء تنقلاتهم بسبب هذا المفترق".

بلدية الشوكة: المطبات ليست حلًا كونها أصلًا غير قانونية حسب قانون المرور

لا يختلف مدير المشاريع في بلدية رفح في رده عن سابقه في بلدية الشوكة، إذ أكد المهندس سهيل موسى أن  مفترق الشوكة على شارع صلاح الدين إقليمي ويتبع وزارة الاشغال العامة والاسكان سواء في أعمال التصميم أو الإنشاء، بينما منطقة الشوكة هي من تتبع بلديتي رفح والشوكة.

وبحسب موسى فإن اللجنة المرورية ومن خلال اجتماعات متتالية تداعت لها إثر شكاوى المواطنين، لم تحسم أمرها بعد على إنشاء الدوار، ولا زالت تدرس أفضل الخيارات، رغم أن التصميمات والمخططات والتكلفة أنجزت بالفعل.

النقل والمواصلات: المطبات ليست حل

ووفقًا لسرور، فإن الحل الأمثل الذي تم التوافق عليه هو إنشاء دوار في المفترق، وفق رؤية وزارة النقل والمواصلات يلفت سرور إلى أن دور وزارة النقل والمواصلات يقتصر على المشاركة في وضع رؤية لأفضل الحلول المرورية الممكنة، بينما تقع مسؤولية التنفيذ العملي للمقترح بشكل أساسي، على وزارة الإشغال ومن ثم على بلدية الشوكة ورفح.

ويقر سرور أن هذه مسؤولية جماعية تقع على عاتق البلديات للبحث عن تمويل، وكذلك الحكومة، من خلال الوزارة المختصة"، معترفًا بالواقع الصعب الذي يتسبب به مفترق المشروع، والحوادث التي يشهدها "أما المطبات التي توضع، فلا يمكن أن تحد من السرعة، هي ببساطة ليست حلًا".

شرطة المرور: الحوادث لم تتوقف

من جانبه، أشار مدير دائرة المرور والنجدة في محافظة رفح وائل الهمص، إلى أن إشكالية مفترق الشوكة متجددة، "حيث أن شارع صلاح الدين هو الشريان الأول الذي يربط جنوب القطاع بشماله"، منبهًا إلى أن السكان يتمركزون شرقه وغربه، "بل إن هناك مدرستين في كلا الاتجاهين أعداد الطلبة فيهما كبير جدًا".

مرور رفح: شهد العام الجاري وحتى تاريخه 7 حوادث طرق بسبب المفترق

وأكد الهمص أن المفترق ومنذ إنشائه، تسبب بعدد كبير من حوادث الطرق تجاوز الحد الطبيعي الذي يمكن أن يترتب على خطأ السائق، أو المواطن، "ففي هذا المفترق الطريق هو المسبب الأول، والمتسبب الأساسي بإزهاق أرواح الكثير من المواطنين".

ووفقًا للهمص، ففي الفترة ما بين 2012 -2019، توفي 14 شخصًا في حوادث طرق على المفترق "أي بمعدل اثنين سنويًا".

14 حالة وفاة خلال سبع سنوات

ووفقاً للإحصائيات المتوفرة في العام 2017م، فقد تم تسجيل 7 حوادث مرورية، وفي عام 2018م، تم تسجيل 6حوادث مرورية، وفي العام 2019م، تم تسجيل 16 حادثًا مشابهًا.

ونوه الهمص إلى أن هذه الإحصائية، تخص الحوادث التي تسجيلها كقضايا في النيابة، يقابلها عدد آخر من الحوادث لم يتم تسجيلها، مبينًا أن بعض المواطنين يمكن أن ينهوا المسألة دون أن تسجل، ويتم اعتمادها في المستشفى كحادثة "سقوط من علو". وهذا ما يعني أن الإحصائية قد تكون مضاعفة حال تسجيل كل حوادث الطرق التي تتم في المكان.

وفي الوقت التي تقول فيه وزارة الأشغال، إن وجود المطبات منع حوادث الطرق، فإن الهمص ووفقًا لإحصائية صدرت خلال عام 2020م، يؤكد وقوع حادثين خلّفا إصاباتٍ خطيرة، في حين وقعت خلال العام الجاري 2021م، وحتى تاريخه، 7 حوادث طرق، ثلاثة منها على المفترق نفسه.

ويوضح الهمص، أن دائرة المرور والنجدة، ومن باب المسؤولية، لم تترك بابًا إلا وطرقته من أجل وضع حلول للحد من هذه الحوادث، "سواء عند لجنة السلامة المرورية، أو وزارتي النقل والمواصلات، والأشغال، وحتى البلديات"، مبينًا أن وضع إشارة مرور ضوئية في المكان "ربما لن يكون مجديًا في الوقت الذي يستخدم فيه معظم سكان المنطقة خلال تنقلاتهم العربات التي يجرها حيوان".

لذلك كان الحل الأمثل (والحديث للهمص) إنشاء دوار يحد من السرعة، ويلزم كل سائق بمساره، خاصةً وأن المطبات التي تم وضعها تُعد حلًا مؤقتًا.

وعن مسؤولية إدارة المرور والنجدة، لفت الهمص إلى أنها لا تُعدُّ جهةً تنفيذية، "وكل ما عليها هو توصيف المشكلة، وإرسالها إلى الجهات المختصة، "في حين يبقى  وضع الحلول، وتنفيذها مسؤولية تلك الجهات".

ولفت الهمص أن اللجنة المرورية  بمشاركة الجهات المختصة توافقت في عام 2019م على إنشاء دوار عند مفترق المشروع، لكن القرار بقي حبيس الأدراج في وزارة الأشغال العامة والإسكان، "لكن إدارة المرور تحاول من وقت لآخر إرسال دوريات في المكان، خاصةً في أوقات الذروة، المتمثلة في مواعيد الذهاب والإياب من المدرسة" يؤكد.

الأشغال: نتعهد بإعادة الدراسة والتقييم

وفي رد وزارة الأشغال العامة، قال وكيل وزارة الأشغال د.ناجي سرحان: "تمت معالجة الإشكالية بعددٍ من المطبّات والمعلومات المتوفرة لدى الوزارة أن نسبة الحوادث منعدمة"، متعهدًا بدعوة اللجنة المرورية المكونة من الوزارات المختصة، والبلديات، وشرطة المرور، لاجتماع "إعادة تقييم" لوضع المفترق، والأخذ بالتوصيات الناتجة عن الاجتماع.

وأشار سرحان، إلى أن "المطبات" يمكن أن تؤدي الغرض، فيمكن الاكتفاء بها مؤقتًا، لحين الحصول على تمويل، لكن إذا أقرت اللجنة بأن الحوادث ما زالت مستمرة، فسيكون الحل البديل "إيجاد تمويل مستعجل للمفترق ضمن موازنة الحكومة".

ويرى وكيل الوزارة أن المطبات، حلٌ تلجأ إليه الوزارة في أكثر من مكان، بسبب خصوصية الحالة الفلسطينية ونقص التمويل، "ذلك لأن المطبات لا تتطابق مع المعايير العالمية للطرق".

الأشغال: نعمل وفق الأولويات حسب الخطورة وسنُخضع الأمر لاجتماع تقييم

 ووفقًا لوكيل الوزارة، تبلغ تكلفة إنشاء الدوار 80 ألف دولار، "لا تتعلق بالدوار وحده، بل بمشاريع تطويرية أخرى على طول شارع صلاح الدين،  انطلاقًا من معبر رفح"، منبهًا إلى أن عدة مفترقات على طول الشارع، بحاجة لإنشاء 13 جسرًا، "والأمر لا يقتصر فقط على مفترق المشروع".

وخلافًا لرأي مدير المشاريع في بلدية الشوكة إياد أبو لبدة، ونظيره  سهيل أبو موسى في بلدية رفح  اللذان أكدا  أن المفترق يقع في شارعٍ إقليمي، ومسؤولية تطويره تقع بالكامل على الحكومة بوزاراتها المختصة، فإن وكيل وزارة الأشغال، قال: "المسؤولية مشتركة، لكن الحكومة في النهاية تتحمل المسؤولية، لأن البلديات قد لا تستطيع توفير التمويل المطلوب، وبالتالي تتوجه للحكومة، والحكومة من طرفها تدرس إمكانية وضع المشروع ضمن موازنتها أو لا".

وأمام تشديد سرحان على أن الأمر يتبع الأولويات حسب الخطورة، هل يبقى الوضع على ما هو عليه في مفترق المشروع حتى يتوفر التمويل (80 ألف دولار)؟ وهل يعد المبلغ تعجيزيًا أمام الأرواح التي تزهق سنويًا تحت عجلات وسائل النقل، في مكانٍ يعيش فيه ما يزيد على 22 ألف مواطن؟ وهل تبقى الأمانة العامة لمجلس الوزراء ووزارة الحكم المحلي في موقع المتفرج أم تتحرك لوضع حد لمعاناة ومخاوف المواطنين من فقد مزيد من الأرواح على مفترق المشروع ؟.. الأيام القادمة تجيب

نفذ التقرير لصالح ملتقى إعلاميات الجنوب ضمن مبادرة استقصائيون ضد الفساد4 بالتعاون والشراكة مع الإئتلاف من أجل النزاهة والمساءلة_ أمان

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير