شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 22 مايو 2026م12:18 بتوقيت القدس

الحصار والانقسام طحنا آمالهن..

"غزّيات" في الغربة بحثًا عن "فرصة"

03 ابريل 2020 - 21:38

شبكة نوى، فلسطينيات: كمعظم نساء قطاع غزة، وخريجاته المميزات، واجهت "أماني عيد" في ظل الحصار الإسرائيلي للقطاع منذ قرابة 14 عامًا، صعوبات جمة في الحصول على عمل.

بعد وقتٍ طويلٍ من الانتظار والمحاولة، حصلت على بعض الفرص "الأفضل من لا شيء"، لكن بعدها بدأ الأمل يخبو، والوقت كان يمضي هباءً، كان لا بد أن تجد حلًا يحمي مصير "شهادتها" من أن تُعلق على الحائط كما حدث مع كثيراتٍ قبلها بسبب نقص فرص العمل، وارتفاع أعداد الخريجين والخريجات من جامعات القطاع.

قررت أن تُغامر. ذهبت أماني إلى "الكويت" للعمل كمدرسةٍ لمادة الفيزياء في إحدى مدارس الثانوية قبل ستة أشهر، لقد تركت ورائها زوجها وطفليها فرارًا من الواقع الصعب الذي تعيشه غزة، وطمعًا في وضعٍ حياتيٍ أفضل، وهناك وجدت مرادها كله "لولا لوعة الشوق للوطن وأهله".

أماني ليست الوحيدة التي غادرت غزة بحثًا عن عمل، فكثيراتٌ حاولن تتبع بصيص الأمل من خلال السفر، ليس فقط من أجل المال، بل أيضًا طمعًا في الانفتاح على العالم الذي لا تعرف غزة المعزولة بسبب الحصار الإسرائيلي عنه شيئًا.

"كم مهندس عمل سائقًا، وكم من جامعي أضحى بائعًا في محل، بل إن منهم حتى من لم يحظَ بهذه الفرصة الثمينة"، قالت أماني لـ "نوى" عبر اتصالٍ هاتفي، مستدركةً: "احترامنا لكل العمل الشريف، لكن كل إنسان بعد أن يتعب في الجامعة، ويحاول أن يرصد أعلى المراكز، يتوقع أن يلاقي نتاج تعبه بتخصصه، أن يعمل بالشيء الذي يحبه ويفهمه، وهذا ما لا يحدث في غزة اليوم إلا فيما ندر".

"المستقبل هنا طريقه مسدود،  أسعى إلى أن أؤسس حياةً أكثر استقرارًا خارج غزة التي أعشق، بعيدًا عن فكرة الموت التي تحاصرنا في كل مكان".

تخشى عيد على أبنائها من أن يواجهوا نفس المصير، "المستقبل هنا طريقه مسدود، وبصراحة، أنا أسعى إلى أن أؤسس حياةً أكثر استقرارًا خارج غزة التي أعشق، بعيدًا عن التصعيدات الإسرائيلية المستمرة، وفكرة الموت التي تحاصرنا في كل مكان" تضيف.

وتزيد: "أهلي رفضوا في البداية الفكرة، فهم يعلمون أن الخروج من غزة يعني (اللا عودة)، سيما مع فكرة معاناة السفر عبر معبر رفح"، مشيرةً إلى أن أكثر العقبات التي تواجهها خارج حدود الوطن هي "الغربة" بمعناها الحرفي، بُعد الزوج والأبناء، وبُعد العائلة، مع الكثير من المسؤوليات.

تعلق: "في الغربة يجب أن تكون الواحدة منا قوية، حتى لا تنكسر، فلا سند لنا إلا أنفسنا"، مؤكدةً أنها لا تنسى فضل "غزة" حين أعطتها بعض الفرص الجيدة للعمل في الوقت الذي لم تتح فيه الفرصة لغيرها أبدًا في أن يعمل بشهادته ولو ليومٍ واحد.

تطمح أماني اليوم إلى أن تنهي الدراسات العليا في "فيزياء النانو"، وتطوير قدراتها في هذا المجال، وهذا ما لم يكن ليحدث دخل غزة –ولو بعد عدة سنوات، فيما تتمنى أن يعمل زوجها بشهاداته العليا التي حصل عليها من الخارج.

رغم أسفها على حال شباب القطاع وشاباته الذين وقعوا في دوامة الواقع السياسي دون ذنب، ودفعوا وحدهم ثمن الانقسام من أعمارهم، إلا أنها عبرت عن سعادتها للفرصة التي أتيحت لها "فهي كمعلمة في الكويت تجد كل الاحترام والتقدير، سيما بعد معرفة قدراتها العقلية والتعليمية (..) ما ينقصني فقط وجود أبنائي وعائلتي بقربي".

وتبعًا للجهاز المركزي للإحصار، فقد بلغ معدل البطالة في قطاع غزة، مطلع العام 2019م، 52.0%، بواقع 43.5% بين الذكور مقابل 74.5% بين الإناث. كما بلغ أعلى معدل بطالة بين الشباب للفئة العمرية 15-24 سنة لكلا الجنسين حيث بلغت 71.8%، بواقع 65.3% بين الذكور مقابل 92.2% بين الإناث في نفس الفئة العمرية.

تحقيق الذات

لمياء المجدلاوي، غادرت غزة منذ ما يقارب العامين لتستقر في تركيا، وهي الأخرى واجهت رفضًا صارمًا من قبل أهلها لمجرد الفكرة، حتى استطاعت إقناعهم.

قالت: "كنت أعمل في أحد المؤسسات الإعلامية بنظام المشاريع، وكنت سعيدة جدًا بالفرصة، ولكن في الآونة الأخيرة، ونتيجة الحصار الإسرائيلي، قلَّت هذه المشاريع، وأصبح هناك ندرة في فرص العمل التي تحقق طموحي".

فكرت لمياء كثيرًا في تطوير قدراتها، من خلال الحصول على تدريبات جديدة، وفي النهاية توقفت لتسأل نفسها: "ما النتيجة من كل هذا التدريب، إذا لم يكن هناك فرص داخل غزة؟".

فكرت لمياء كثيرًا في تطوير قدراتها، من خلال الحصول على تدريبات جديدة، وفي النهاية توقفت لتسأل نفسها: "ما النتيجة من كل هذا التدريب، إذا لم يكن هناك فرص داخل غزة؟"، تتابع: "أصابتني حالة من الاكتئاب لفترة طويلة، وبعد تفكير جدي قررت السفر لأخلق لنفسي مستقبلًا جيدًا بعيدًا عن جو الإحباط، وأقنعت أهلي أخيرًا وسافرت".

عندما وصلت المجدلاوي إلى تركيا، أصيبت بالصدمة، لقد أتت من بلدٍ صغيرة، محدودة الموارد والمصادر مقارنةً بتركيا الواسعة بثقافاتها المختلفة، وجنسياتها المتنوعة، مردفةً بالقول: "الكهرباء متوفرة طوال الوقت، والماء والمواصلات من مدينة إلى أخرى متاحة دائمًا، عوضًا عن الأصدقاء الكثر الذين تعرفت إليهم من جنسيات مختلفة كالمغرب والسودان والجزائر".

هناك، وجدت لمياء أن عليها خلق عمل لنفسها "تستطيع من خلاله إيجاد قوت يومها، فقررت أن تبدأ التجارة الإلكترونية عن بعد، أن ترسل إلى غزة بعض البضائع وتروجها هناك، سيما أن تركيا معروفة بصناعاتها الجيدة، والكثيرة، وهكذا كانت بداية جديدة وجيدة في آنٍ معًا.

أفخر بفلسطينيتي ولكن..

لوزان الكردي، التي تقيم في مدينة السويد منذ ما يقارب تسع سنوات، هي الأخرى وعائلتها تركت غزة بعد سعيها الطويل المتواصل لإيجاد فرصة عمل، على اعتبار أنها خريجة منذ عام 2005م، ولم تحظَ إلا بفرصة بطالة واحدة في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أنروا" لمدة ستة أشهر.

الأم لخمسة أطفال، أكدت أن فرص العمل في غزة كانت ضئيلة جدًا منذ ذلك الوقت، "بل إن معظمها تعتمد على الواسطة والمحسوبية، ناهيك عن الحصار الإسرائيلي الغاشم، وتوابع سطوة الانقسام" تقول.

"تمنيت لو أن هذا كله نجده داخل الوطن، فهناك العائلة والاحتواء والحب (..) كل شيء في الوطن جميل لولا إسرائيل والفرقة الداخلية وسوء اختيار المكلَّفين".

وتضيف لـ "نوى": "استطعت الحصول على عملٍ جيد هنا في السويد بعد أن أتقنت اللغة، هنا لا يوجد تفرقة بين أجنبي وعربي، نتمتع بالشعور بالعدالة، الحياة جيدة وتتوفر فيها كل مناحي الحياة، من تعليم وصحة وأمن وأمان، وهذا ما كنت أتمناه لأبنائي"، مستدركةً: "تمنيت لو أن هذا كله نجده داخل الوطن، فهناك العائلة والاحتواء والحب (..) كل شيء في الوطن جميل لولا إسرائيل والفرقة الداخلية وسوء اختيار المكلفين".

تفتخر الكردي بكونها فلسطينية، مطالبةً بأن يعيد المسؤولون حساباتهم فيما يتعلق بتوزيع حصص العمل والفرص على الشباب بغزة، وتختم: "من حق الجميع أن يعمل، حامل الشهادة وغيره، ولكن نعول على الأمانة فقط".

كاريكاتـــــير