غزة:
"أخطط لأكون محللة متخصصة في الشأن الإسرائيلي"، هكذا عبرت الشابة الفلسطينية هيا الجرجاوي من مدينة غزة عن طموحها المستقبلي، وزادت إنها مهتمة بهذا المجال كوننا شعب تحت الاحتلال، لذا فقد درَست تخصص التاريخ والعلوم السياسية.
الشابة هيا أنهت حديثًا دورات متقدمة في تخصص الشؤون الإسرائيلية في مركز نفحة للدراسات الإسرائيلية الذي أسسه الأسير المحرر أحمد الفليت ليحقق من خلاله طموحه في معرفة دقيقة وواعية وواقعية للمجتمع الإسرائيلي والسياسة الإسرائيلية!
تقول الجرجاوي: "أنا متابعة للأخبار والشأن السياسي، وجدت أن لدي قدرة على التحليل، وكوننا تحت احتلال قررت فهم المجتمع الإسرائيلي أكثر، شعرت أن ما نستقيه عبر وسائل الإعلام غير دقيق، وهناك معلومات غير صحيحة، لذا أنا الآن أتعلم اللغة العبرية كي أترجم بنفسي مستقبلًا وأطمح أيضًا لكتابة مقالات متخصصة باللغتين العربية والعبرية".
هيا واحدة من أكثر من خمسين شابة وشاب التحقوا بتخصص الشؤون الإسرائيلية الذي يدرّسه مركز نفحة يطمحون إلى تقديم رؤية مختلفة عما يتم تداوله عبر وسائل الإعلام ويتجاوزوا الفجوة فيما يعرضه الخبراء والمختصين بالشأن الإسرائيلي.
المحامي والباحث القانوني ياسر الديراوي والذي يعمل في مركز حماية لحقوق الإنسان إنه بحكم طبيعة عمله كان بحاجة لدراسة أعمق للشؤون الإسرائيلية، وعليه فقد أراد من خلال الدراسة في مركز نفحة معرفة نظام القضاء في إسرائيل وآليات التقاضي.

وشرح: "نتيجة لقرار الاحتلال وقف إمداد قطاع غزة بالكهرباء؛ توجهنا بدعوى قضائية لدى محكمة الاحتلال قبل عام ونصف، وبناء على هذا الملف رأينا في المركز ضرورة أن نحصل جميعنا على هذه الدورة، لنعرف بالضبط طبيعة المجتمع الإسرائيلي والفرق بين الشرقيين والغربيين".
وأضاف الديراوي أن معرفة هذه التفاصيل تصنع فرقًا واضحًا في عملهم القانوني من ناحية القدرة على التعامل مع نظامهم القضائي، فما كان يمكن الاعتماد على ما تقدمه وسائل الإعلام الفلسطينية من ترجمات.
الترجمة من وسائل الإعلام العبرية إلى اللغة العربية أمرٌ دارجٌ في الصحافة الفلسطينية، ولكن كل وسيلة إعلام تأخذ ما يناسبها فقط، بينما تختار من بين المختصين بالشأن الإسرائيلي ما يتوافق ورؤيتهم، أمر عدّه الأسير الفلسطيني المحرر أحمد الفليت بعيد تمامًا عن الواقع، وهو ما أوقعنا في كوارث حسب رأيه، كوارث على مستوى المعلومة المضلِلة التي تصل للمواطن، وتصل لصانع القرار ويصيغ وفقًا لها سياسة خاطئة ندفع ثمنها نحن.
"ما نعرفه عن المجتمع الإسرائيلي مجرد قشور، أغلب مختصي الشأن الإسرائيلي لدينا لا يتحدثون العبرية، وإذا تحدث لا يقدّم الواقع إنما يتحدث بما يريده الجمهور فيُسمعنا خطابًا عاطفيًا، خشية أن يوضع في زاوية أنه غير وطني"، هذا ما أكده الفليت موضحًا إن قناعته الشخصية مختلفة، فإن مجابهة العدو تقتضي تقديم معلومة صحيحة.
ويضيف الفليت إن الترجمات كارثية بُنيت عليها خطابات عاطفية ضللت الناس وصانع القرار، مثلًا في الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة عام 2014 انتشر خبر أن هناك هجرة عكسية من قبل الإسرائيليين إلى الخارج، وهذا غير صحيح، إذ تصادف مع العطلة الصيفية حيث يكون متوسط حركة السفر سنويًا بمثل هكذا معدّل بل بمقارنتها مع سنوات سابقة تبين أنها انخفضت.
يعدّ مركز نفحة بفكرته الحالية والمستقبلية قصة نجاح للأسير المحرر أحمد الفليت، الذي اعتقل في سجون الاحتلال الإسرائيلي لأكثر من 20 عامًا، ونفحة هو اسم السجن الذي كان معتقلًا فيه، وتحرر في صفقة وفاء الأحرار عام 2012، تعلّم اللغة العبرية من بقايا الصحف عندما كان في العزل الانفرادي في العام الأول من اعتقاله، ومن ثم درس العلاقات الدولية في الجامعة العبرية كأحد ثمار إضراب الأسرى الذين طالبوا بحقهم في الدراسة الجامعية، وبينما لجأ إليه الأسرى لمساعدتهم على تعلّم اللغو العبرية فقد مرّ عليه أكثر من تخصص خلال الترجمة.

وحول فكرة مركز نفحة يقول الفليت –الذي درس تخصص العلاقات الدولية في الجامعة العبرية عندما كان أسيرًا- إنه فكّر به منذ حرب 2014، بالتالي هو تأخر نسبيًا، وهو يعدّ أول مركز متخصص يقدم الشهادة المعتمدة بالدراسة عن بعد بالاعتماد على منصة زووم التي تحفظ حق المركز وحق المتقدم، مشيرًا إلى أنها طريقة معروفة عالميًا في الدراسة ولكنها ربما تكون حديثة بالنسبة لقطاع غزة، ومع أنه توقع صعوبة الإقبال لكن حجم التسجيل فاق توقعاته.
جملة من المعوقات واجهت الفليت لدى تأسيسه المركز، أولها بعض التعقيدات في الإجراءات الرسمية تطلبت منه عامًا كاملًا، والبحث عن جامعة تضم المركز ضمن التعليم المستمر حتى تم الاتفاق مؤخرًا مع جامعة فلسطين إذ سيكون الافتتاح الرسمي بعد أيام.
يضم المركز في مرحلته الحالية ثلاث تخصصات هي اللغة العبرية، والشؤون الإسرائيلية، والترجمة العبرية، ومن المنتظر افتتاح ثلاث تخصصات أخرى في النصف الثاني من العام الحالي، معربًا عن أمله أن يحمل الخريجون من المركز خطابًا واقعيًا لا يضلل الرأي العام، بل يقدم معلومة مجردة.
























