غزة:
لطالما ارتبط اسمه بالثورة والنضال.. ثلاثون عامًا قضاها في مجال الإعلام المسموع، ولم يتوقف صوته الهادر بنطق اسم كل شبر من تراب فلسطين، حيث كان يلقي الصباح على عكا وحيفا ويافا وغزة وجبال نابلس، وخليل الرحمن، والقدس العاصمة في زمن كان للكلمة ثمن يطال الحياة.
إنه الإعلامي الفلسطيني البارز محمد الباز، والذي بدأ حياته كمذيع في إذاعة "عدن" بداية السبعينات، نادى باسم فلسطين بحضور أغاني الثورة، وعمل أيضًا في السفارة الفلسطينية، قبل انتقاله إلى إذاعة "صوت العرب" في القاهرة، ثم عاد إلى أرض الوطن عقب توقيع اتفاقية أوسلو ليعمل في إذاعة وتلفزيون فلسطين كمقدم لبرامج المواجهة مع المسؤولين، وما إن انطلقت انتفاضة الأقصى عام 2000 حتى عاد للاشتباك مع الاحتلال عبر الأثير، غير آبه بوقوع مقر هيئة الإذاعة والتلفزيون على مقربة من دبابات الاحتلال ما جعله دومًا تحت الخطر.
محمد الباز، خريج تخصص الفلسفة الذي برع في لعب كرة القدم وكان لاعبًا في نادي الترسانة المصري، إلا أنه ترك الرياضة وترك التدريس واتجه للإعلام، فهل كان هذا محض صدفة؟ وما الذي دفعه لمهنة الصحافة الشاقة والخطرة؟ ماذا يفعل الآن وأيّ من أحفاده يمتلك موهبته الإذاعية؟ هذه التفاصيل في سياق الحوار الآتي:

درست الفلسفة وتخرجت من جامعة الأزهر ثم التحقت للعمل كمدرس في اليمن، كيف اتجهت للإعلام؟ هل كان ذلك مقصودًا؟
بعد تخرجي من جامعة الجمهورية المصرية من تخصص الفلسفة كانت لغتي العربية ممتازة فهي جزء أساسي في الدراسة، فمن هذا المنطلق تعاقدوا معي في القاهرة للعمل كمدرس لغة عربية للمرحلة الثانوية في مدرسة عدن باليمن عام1973ضمن بعثة ليبيّة، ثم بعد عامين عملت مع الجالية الفلسطينية على تأسيس فرق للدبكة الشعبية وهو جزء من الهوية الفلسطينية.
في الحقيقة كان خوضي في مجال الإعلام بمحض الصدفة، ففي يوم من الأيام كنت ذاهبا برفقة زملائي المعلمين إلى سفارة فلسطين، وكان يدور هناك الحديث عن افتتاح إذاعة فلسطينية تبث من اليمن، فأشار علي بعض الأصدقاء أن أجري اختبار صوت مع مجموعة من المتقدمين ويبلغ عددهم ثلاثون، فنجحت في الاختبار وتم قبولي ضمن الخمسة الناجحين.
وكنت أنا أول من قدم افتتاحية إذاعة "صوت فلسطين" صوت الثورة في ذلك الوقت فدفعني شغفي إلى ذلك وصدح صوتي من خلف المايك بقول شعار الإذاعة "هذا صوت فلسطين، صوت الثورة الفلسطينية.. يحييكم ويلتقي بكم مؤكدا عهده معكم في مسيرة النضال بالكلمة الأمينة، المعبرة عن الطلقة الشجاعة وبالجماهير العربية المعبئة والمنظمة بالكفاح المسلح حتى تحرير فلسطين".
قبل انتقالي إلى عدن كنت لاعبًا لكرة القدم في نادي الترسانة، وكان حينها واحدًا من أهم الأندية المصرية، كنت مهاجمًا متميزًا وتوقع مدرب النادي أن يكون لي مستقبلا في كرة القدم، ولكن وقعت في شغف وحب الإعلام والحديث إلى الجمهور من القلب والحديث عن الوطن المسلوب.

كيف كان مضمون الرسالة الإعلامية في تلك المرحلة؟ وما التحديات التي واجهتكم؟
كان الخطاب موجها ومقتصرا فقط على الأخبار السياسية والبيانات والبلاغات العسكرية المتعلقة بالقضية الفلسطينية والعربية وحق اللاجئين بالعودة، وتعبئة المستمعين للاستمرار في الثورة والكفاح المسلح.
لم تكن الإمكانات يسيرة كما الآن فالعثور عليها كان أشبه بمهمة صعبة سواء، كان على سبيل أدوات المونتاج وأجهزة التسجيل الصوتي، فكان يستغرق تصحيح كلمة واحدة في الخطاب أكثر من سبع دقائق ونحن على الهواء، ناهيك عن الخطر الذي كان يحدق بالمذيعين فكانوا لا يقلون أهميّة عن المناضلين في الميدان، فكنت أحمل روحي على كفي في كل يوم أذهب به للعمل في الإذاعة وتعرضت لأكثر من مرة لتهديد قبل جهات معينة كضغط لتغيير الخطاب الاعلامي فكان يعتبرونه أداة تحريضيّة.
بعد فترة من عملك في المجال المسموع انتقلت للمرئي، حدّثنا عن تأسيس تلفزيون فلسطين وعودتك إلى الوطن؟
عشت فترة طويلة مغترب حتى عام 1994، وعند مجيء السلطة الفلسطينيّة عدت للوطن وكنت متحفز جدا للعمل في وطني وأن ألقي خطابي على أرض ترابي، قمنا حينها بتأسيس أول محطة تلفزيونية فلسطينية تبث من قطاع غزة، وبعد خمسة سنوات من العمل فيها رغم معدوميّة الأدوات والإمكانات؛ لكن حجم الانجاز كان يفوق ذلك بسبب الشغف وحب العمل الذي كان يسيطر علينا فهو جزء لا يتجزأ من القضيّة الفلسطينيّة، وبعد خمس سنوات تم تحويل القناة لفضائية بدت تقدم مواضيع متنوعة منها اجتماعية، واقتصادية وسياسية، وتربويّة.

كيف ترى الخطاب الإعلامي الفلسطيني وأوجه الاختلاف؟ هل تشعر بأن ثمة انحدار في رسالتنا الإعلامية؟
مر الخطاب الفلسطيني بثلاثة مراحل الأولى كانت خلال فترة الثورة كان حينها الاعلام الفلسطيني موحد يصدح بعبارات الثورة والنضال الفلسطيني فقط، وفي المرحلة الثانية أثناء وجود السلطة الفلسطينية بدأ يتنوع وينتشر بشكل أكبر نتيجة للنهضة التي عاشتها المنطقة في تلك الفترة والتوسيع في كافة المجالات الحياتية، والمرحلة الثالثة هي الاقتسام الفلسطيني فلم يعد الخطاب الإعلامي كما السابق بل ساده الفوضى الحزبية والعمل من أجل مصلحة فرق معينة وليس الوطن، والسبب يعود إلى هالة الترهل السياسي والانفصال وغياب الوعي الوطني والثقافي بأهمية الرسالة الإعلامية الموجّهة.
في ظل التقدم التكنولوجي وبروز الإعلام الرقمي، هل استطعنا استثماره لخدمة القضية الفلسطينية؟
لا يوجد ثمة ما يسمى بالإعلام البديل بل المتكامل؛ لأنه لا يوجد استغناء عن وسائل الإعلام كالراديو والتلفزيون، وما يحكم هذا التنوع في الفئات العمريّة واهتماماتها.
وعن مدى خدمة الإعلام الرقمي للقضية الفلسطينية يمكننا القول أنه خدمها؛ لكن ليس بالحد المطلوب لأنه يفتقر الى التنظيم والموضوعية فقد بات الاعتماد على سرعة نقل المعلومات بغض النظر عن دقتها ومدى صحتها.
تاريخك الإعلامي مملوءا بالعمل والمتاعب، متى أسست لحياتك الاجتماعية، وهل طغت مهنتك على واجباتك الأسرية؟
بدأت حياتي الاجتماعية عام 1976 حينها عدت من اليمن إلى غزة لفترة وتزوجت ابنة عمي، كانت هي الأخرى مسيرتها المهنيّة مليئة بالعمل النضالي حتى بعد عودتنا لغزة زاد عملنا أكثر فهي كانت طباخة الرئيس الراحل ياسر عرفات، ومن تعد له الطعام بشكل دائم أثناء مكوثه بمنزله بغزة.
بكل أسف كنت دائما أخرج أنا وزوجتي للعمل المهني والنضالي حتى طغى على حيتنا الأسرية ودفع ثمن ذلك ابني )هادي).
كان بحاجة للاهتمام بشكل كبير رغم ذلك كنا نتركه مع الخادمة حتى توفى فأدركت متأخرًا أن ما فعلته ليس صحيحا بحق عائلتي.
الآن بعد تقاعدي أنفذ بعض الدورات التدريبية للمذيعين والمذيعات الشباب، وأقضي غالبية وقتي بين أحفادي، أشعر أن بعضهم لديه ميولاً إعلاميا، خاصة وأن أبنائي شادي وهنادي سبق وأن عملوا كمذيعين، الآن أجد بعض أحفادي يتصرف كمذيع إلا أن حفيدتي حلا ابنة شادي لديها صوت مميز جداً.
ما نصيحتك للجيل الجديد من الإعلاميين؟
الاهتمام بشكل كبير باللغة العربية لأن سلامتها أساس العمل الصحافي، وتوسيع نطاق إدراكهم في العمل الصحافي وعدم الاستسلام للظروف القاسية التي تعيشها فلسطين، وتكثيف من تدريبهم والتطوع فأنا عملت متطوعًا في بداية مسيرتي المهنية لأكثر من خمس سنوات، لكن الانتباه لعدم استغلالهم في الميدان والانتباه لحقوقهم.



























