رام الله:
إن حياة وتجربة الناشطة والمناضلة النسوية والأسيرة المحررة ختام سعافين لم تأتِ من فراغ، فهي لاتزال تذكر اجتياح قوات الاحتلال الإسرائيلي للمناطق والمدن الفلسطينية خلال حرب عام 1967، وهي لم تتجاوز الأربعة أعوام من عمرها، ولم تنسَ شائعات الطابور الخامس التي تواردت على المسامع من أجل اقتلاع الفلسطيني من أرضه وإن كانت المعلومات صحيحة عن جرائم الاحتلال، لكن عائلتها التي عاشت معاناة اللجوء في المرة الأولى من قرية الفالوجة إلى الخليل لم تكرر مرة ثانية.
تبلورت شخصية السعافين في السبعينات حينما بدأت ثمار المقاومة الأولى تظهر جليا، يرافقها انتهاكات الاحتلال ضد الفلسطينين من قتل واعتقالات وتشريد، وعندما كان اسم الزعيم جمال عبد الناصر يُذكر يوميا أمامها، وقد مرت بعدة محطات متباينة في حياتها وكانت آخرها اليوم تتمثل كرئيس لاتحاد لجان المرأة الفلسطينية نستعرضها في الحوار التالي:
كيف تكونت شخصية ختام سعافين إلى أن وصلت إلى مناضلة ناشطة نسوية ؟
إن اللجوء وما صاحبه من أمور مؤلمة تمثلت أولها في: هجرة الموطن الأول وتوزع أفراد العائلة بأكثر من مكان، والشعور بالتمييز بين النساء والفتيات دفعها للانحياز نحو فئة الفقراء والنساء، "جسدت هذا الانحياز بمشاركاتي بالعديد من الفعاليات النضالية بالمدارس على أكثر من شكل: كالتثقيف،، والتوعية والمشاركة بالاعتصامات، والمظاهرات الطلابية، وفي دراستي الجامعية كنت عضوا في مجلس اتحاد الطلبة عام 1982، ومنها انخرطت بالعمل النسوي واخترت اتحاد لجان المرأة الفلسطينية الذي أعتبره الأكثر انسجاما مع قناعاتي الوطنية والنسوية".
كيف يمكن المقارنة بين الظروف السياسية والمجتمعية الحالية ونشأة الحركة النسوية في فلسطين؟
إن الظروف المادية هي التي تصنع وعي الإنسان وتفرض التحديات في ذات الوقت، وبالتالي فإن التحديات اليوم اختلفت حيث أن طبيعة الحياة اختلفت وطبيعة المؤسسات وحتى أشكال النضال، كما أن الواقع الطبقي للكثيرين اختلف أيضا، فبعض العائلات تغيرت طبقتها سواء أسفل أو أعلى الهرم الطبقي، وانتقال الناس من المخيم إلى المدينة مع بقائهم كلاجئين، كل هذه المتغيرات خلقت تحديات جديدة، لكن الثابت الوحيد هو الاحتلال ودوره الاستبدادي والاستعبادي ضد شعبنا.
المهم هنا أن الإنسان يختار طريقه بوعي لتحقيق مستقبل أفضل، والسؤال هنا هل النضال ينطلق حسب المساحات المتاحة أم من أجل خلق مساحات متاحة؟
أتوقع أن الإنسان يختار طريقه بالنضال المجتمعي والوطني من أجل إتاحة مساحات وتحقيق حقوق ،ولا يجب انتظار أن يُتاح لنا مجالات من الأصل ان نضالتنا هي التي تفسح لنا المساحات وتمكننا من الحقوق.
ما هو أكبر اختراق للحركة النسوية الفلسطينية ؟
الاختراق جاء من الدور الوطني للنساء بتحدي الأنماط التقليدية للحياة، بمعنى أن المرأة مضطرة لأخذ إذن لأي عمل تقوم به، حيث أن العمل الوطني يتطلب سرية في العمل، فالمرأة حينها غير ملزمة أن تأخذ إذنا من أحد.
كما أن العمل النضالي يعزز من ثقة النساء بأنفسهن ويزيد من قدرتهن على التحليل وتطوير المواقف المتعلقة بقضايا المجتمع، وبالتالي فإن الاختراق جاء بربط العمل النسوي بالوطني، لأنه إذا ما تحدثنا عن الهموم الخاصة بالنساء بمعزل عن سياقها التاريخي، فإننا نعيش في مجتمع غير واقعي، كما أن ربط المرأة بالعمل الوطني بمعزل عن التحديات المجتمعية فإننا بذلك نكون قد غضضنا النظر عن احتياجات تطور المجتمع الفلسطيني بما يضمن المساواة، ومن هنا فإن معظم النساء اللواتي دخلن العمل السياسي دخلنه من بوابة العمل الوطني النسوي.
أين تجدين الاخفاقات في الحركة النسوية؟
إن الخطيئة الكبرى هي تحميل النساء وحدهن مسؤولية تحويل المجتمع إلى مجتمع متقبل للمساواة، وكأننا نعطي المهمة الأكبر للطرف الأضعف اجتماعيا واقتصاديا خاصة في ظل وجود التكبيلات الكثيرة التي تعيشها النساء.
وهنا يجب أن تكون قضية المساواة قضية اجتماعية تؤمن الأحزاب السياسية بها وتعمل من أجلها، وبالرغم من الأطروحات التقدمية إلا أن الممارسة العملية للأحزاب لازالت مرتبطة بالعقلية التقليدية، والسؤال للأحزاب وإن كانت تطرح طرحاً تقدمياً كالمناداة بالمساواة التامة: هل توفرون البيئة المناسبة لذلك؟ هل أنتم ستقودون تحدي المجتمع؟ ما هي أولوياتكم؟
يجب أن تكون قضية المرأة قضية أساسية لدى الأحزاب تناضل من أجلها وليس دعمها فحسب.
كيف تقيمين وضع الحركة النسوية؟
الحركة النسوية هي حركة حية وليست نمطية بشكل عام، وإن كانت تعاني من نمطية بالمستويات العليا في مؤسسات الحركة النسوية، ولكن الحركة النسوية تحاول الابتكار واختلاق نماذج جديدة خاصة فيما يتعلق بالقاعدة.
المهم أن تتخلص الحركة النسوية من بعض التكلسات التي أصابتها والحل يكمن بالديناميكية والاستجابة الأسرع والأقوى للأحداث.
كما أنه يجب أن تتوافر الاستعدادية لدى الحركة النسوية للاختراق بشكل أقوى؛ لأن النمطية والبيروقراطية مقتل لكل الحركات بما فيها النسوية.
كما يجب أن تكون الحركة النسوية أجرأ في طرح القضايا؛ لأننا إذا لم نكن على استعداد للنضال من أجل قضايانا لن نجد من يقدّر النساء.
كيف تصفين البيئة القانونية والتشريعية في فلسطين؟
بيئة شبه قمعية وإن ظهرت أنها مساندة للنساء في توقيع الاتفاقيات الدولية، لكن عند أي تعديل قانوني تطالب به الحركة النسوية تبدأ شياطين التفاصيل بالظهور، حتى إن كانت بعض القوانين توافق الدين في تخريج حجج أخرى تتحدث عن الأعراف والتقاليد.
كما أن تعطيل الجهات التشريعية خطيئة كبرى لأن الأصل أننا نتحدث عن بيئة تشريعية نموذجية يجب أن تشارك فيها الأطياف الحزبية الفلسطينية أيضا، لكن الدور التشريعي للحكومة خطير جدا حيث تقوم الحكومة بتنسيب القوانين تحت طائلة الحالة الطارئة، وهذا يعني أن الحكومة في هذه الحالة تقوم بالدور التشريعي والتنفيذي، ولا زلنا في اتحاد لجان المرأة نحذر من تداعيات ذلك.
إن معركة طويلة وواسعة تنتظر الحركة النسوية من أجل تغيير اجتماعي حقيقي وملموس؛ لأن الإرادة السياسية للتغيير وتعديل القوانين غير موجودة خشية من البينة التقليدية.
ولا أنكر بعض الإنجازات المتعلقة بتجميد العذر المخفف للقتل على خلفية ما يسمى الشرف في قانون العقوبات وإبطال المادة 308 من قانون العقوبات، التي تنص على عدم معاقبة المغتصب إذا تزوج من المغتصبة، إلا أن ذلك غير كاف حيث لا تزال النساء تعيش معاناة اجتماعية واقتصادية كبيرة، إلى جانب ما تعانيه من آثار الانقسام وسياسات والاحتلال، وليس مبررا أن تكون المرأة الضحية الأولى لما يجري سياسياً ووطنيا.
كيف أثرت اتفاقية أوسلو على النساء؟
أوسلو أوجد مجتمعا مدنيا ذي استقلالية وخلق نوعا جديدا من المؤسسات الأهلية التي تقدم خدمات متخصصة في الأغلب، وتبتعد عن مهمة تأطير وتفعيل النساء في محاولة لإضعاف دور الأطر النسوية التي تربط النضال الوطني بالاجتماعي، وبعد أوسلو انتقلت العديد من القيادات النسائية الجماهيرية للعمل في(NGOS)، أو السلطة الفلسطينية وحتى الآن لايزال البعض يعيش ضمن هذا الوهم بالرغم مما نراه على الأرض من ممارسات الاحتلال، فالأساس أننا لا زلنا في مرحلة تحرر وطني وعلينا أن نضع برنامج على هذا الأساس.
كيف تقيّمين وضع برامج مؤسسات المجتمع المدني التي لا ينحصر عملها في القضايا النسوية، وتطرح القضايا النسوية؟
هناك العديد من المؤسسات تطرح مساواة النساء كهدف مبدئي يرتبط برؤيتها ورسالتها، وهي مؤسسات حليفة للحركة النسوية أصلا، أما إذا كان تبني قضايا يرتبط بتلبية اشتراطات التمويل الأجنبي، فهذا قد يساعد في تطوير برامج هذه المؤسسات التي ترتبط برامجها بمصادر التمويل، وقد تستفيد النساء من بعض هذه البرامج، فربّ ضارة نافعة، وأنوّه هنا أن الاعتماد على التمويل الأجنبي خطير جدا إذا لم يمتلك رؤية واضحة، واستقلالية للمؤسسات، والسؤال هنا هل يتم وضع أولويات النساء الفلسطينيات كأساس للبرامج؟ أم تتغير هذه الأولويات بتغير أولويات التمويل.
حديثنا عن تجربة الأسر وإن كانت قصيرة لكنها بالطبع وضحت لك الصورة عن قرب، فحدثينا عن الأسيرات الفلسطينيات اللواتي وقفتِ وشاركتِ باعتصامات تضامنية معهن؟
الاعتقال هو أحد التوقعات لأي فلسطيني؛ لأن الاحتلال يمارس كافة أشكال القمع ضد شعبنا وهي قمع أيضا للنساء الفلسطينيات خاصة أن الاحتلال استخدم طرق قديمة لقمعهن، ومنها استخدام الصور النمطية للنساء في المجتمع ومحاولة تشويه صورة وسمعة النساء الناشطات، أو استخدام السلطة الأبوية لمنع النساء من الحركة.
ويستخدم خلال الاعتقالات أساليباً ظاهرياً ناعمة لكنها في مضمونها الأكثر قسوة على النساء، كالحرمان من الزيارة أو حرمان الأسيرات من احتضان أطفالهن الرضع، هذا عدا عن سياسة الإهمال الطبي التي تفاقم سوء الأوضاع الصحية للأسيرات.
وجدت العديد من الأسيرات الطفلات على الرغم من صغر أعمارهن إلا أنهن يردن التعلم واكتساب الخبرات، ممن هن أكبر منهن وحتى بعد تحررهن أكملن تعليمهن بسمتوى أكاديمي ممتاز.
























