لحن الثورة
"وين الملاين"، "ثوري ثوري يا جماهير الأرض المحتلة"، "بالأحمر كفناك" لا تكاد تغيب كلمات هذه الأغاني الثوريّة والوطنيّة التي انطلق صداها في انتفاضة الحجارة الأولى ولم تنفك ألسنة الفلسطينيون عن تردديها مستردين فيها عافية الذكرى الـ31 للهبة الشعبية كأنها لم تنته بعد.
إذ لم يقتصر دور الأغاني الوطنية على الاستماع فقط بل، كانت بمثابة وقود الثورة للشباب المنتفض في كل بيت وحارة وشارع ضد الاحتلال الاسرائيلي في تلك الحقبة الزمنية الممتدة مابين 1987-199 فكانت تسبب له قلق كبير واجهه بكل قواه على أمل كبح جماح تأثير ذلك اللحن الثائر وكان يفشل في كل مرة.
" لم نكن نعهد في بداية الانتفاضة شراء أشرطة الصوت الخاصة بالأناشيد الثورية الوطنيّة فكان الأمر محصورًا فقط على سماعها من خلال الإذاعات المصرية مثل اذاعة" القاهرة" ذات بث محدود لم يزد عن أربعة ساعات وكنا نفتقض لوجود محطات اذاعية محلية، ثم تطور الأمر آنذاك فبدأت تنتشر أجهزة تسجيل الصوت نسترق من خلالها الاستماع للأناشيد ونختلس تسجليها بعيد عن أعين الاحتلال".

بهذه الكلمات بدأ يتحدث محمد البرعي 45 عامًا والذي عايش أحداث حكاية الأناشيد الوطنية في انتفاضة الحجار وكان وقتها امتلاك كلاً من أشرطة الصوت الوطنية، الكتب والروايات الفلسطينية وحتى العلم من المحرمات التي يعاقب صاحبها إما بالاعتقال والضرب المبرح أو تحويله للمحكمة العسكرية بتهمة التحريض. .
يضيف البرعي أن جنود الاحتلال الاسرائيلي كانوا يشنوا باستمرار حملات مداهمة وتفتيش للمنازل خاصة في المخيمات فعادتًا كان يخبئ السكان تلك "الكاسيتيات" في أعمدة أسقف " الزينكو"، الأسطح، وأحيانا دفنها تحت التراب.
كذلك كان يمنع على الفلسطينيين تشغيلها لا سيّما في وقت تشجيع جثامين الشهداء و فكان الاحتلال يشن حملات مسعورة لمضايقة المشاركين وحصرهم في منطقة معينة أو تفرقيهم بالعبوات النارية سواء كي يطفؤوا أصداء الأغاني الثورية.
ولادة أثناء حظر التجوال
" ممنوع التجول" لعل هذه العبارة من أبرز أحداث الانتفاضة الأولى التي تركت أثرًا كبيرًا في نفوس الفلسطينيين خاصة أبناء المخيمات الذي كان لهم نصيب الأسد.
وكانت تدور آليات الاحتلال الاسرائيلي تتجول بين الأزقة والشوارع عبر مكبرات الصوت لتمنع على الفلسطينيون من التنقل أو حتى الخروج من منازلهم دون أي لأي من حقوق الانسان.
وفي هذا الجانب يذكر فايز أحمد 55 عامًا ما حصل لزوجته في احدى ليالي منع التجول الذي كان يفرضه الاحتلال قائلًا " كان البرد قارس في فصل الشتاء وحينها فرض الجنود الإسرائيليين منع التجول وأغلق الشوارع، تحديدا الساعة الحادي عشر مساء اشتد ألم المخاض على زوجتي الحامل فقد جاء موعد ميلادها وكنت على دراية ولم يكن بيدي حيلة لأفعل شىء".

يدرك فايز تمامًا ان في حال خرج برفقة زوجته أثناء منع التجوال سيكون نصيبه إطلاق النيران عليه من قبل الجنود، فأضاف توجهت فورًا وايقظت أمي وأخربتها بما حصل فكان بها أن أشارت علي بالخروج هي مع زوجتي كونهما امرأتان قد يتساهل معها الجنود.
يضيف خرجت والدتي وكانت تمسك بيدها " السراج " أحد أنواع الإضاءة المستخدمة آنذاك وبيدها الاخرى تلوح بشال أبيض حتى تشعرهم بالأمان تجاها.
ومر الوقت عليهما صعبًا ليلتها ولا يدري ما حصل معهما سوى في اليوم التالي صباحًا بعدما انتهى فرض المنع حتى ذهب مسرعًا الى المنزل الذي يفصل عن منزلهما شارع واحد حيث وضعت فيه زوجته مولودهما البكر فاطمأن أخيرًا .
لم يكن منع التجوال مرتبط بيوم معين أو ساعة وأحيانًا ليوم وأكثر يغلقون فيه المدينة كاملة، لعل أهم ما ميّز هذه المرحلة اللّحمة الشعبية بين السكان تحت راية العلم الفلسطيني الواحد مجسدين الحياة السياسية، الاجتماعية، الوطنية.
الكتابة الجدرانية جرائد اسمنتية
وكانت تزج جدران غزة الاسمنتية بالكتابات والشعارات التي يخطها الملثمون والتي مثلت كصحيفة حجرية يعرف السكان ما يدور حولهم من خلالها.
يقول محمود عمران 42 عامًا أحد الأعلام تلك المرحلة: "كانت تستخدم الجدران كأداة وصل بين الفصائل والشعب، ننقل من خلالها بيانات القوى الوطنية التي كانت تصدر عن الفصائل الموحدة كل شهر، أو بيان الإضراب أو الاعلان عنه أو نشر مواعيد زيارة الأهالي لذويهم الأسرى، وللإعلان عن الفعاليات الاسبوعية للفصائل، أسماء الشهداء، المناسبات والأعياد".
ودائما كان يخرج الشاب الملثم للكتابة في وقت متأخر من الليل حتى لا يراه الجنود الإسرائيليون وكانوا دائمًا يلاحقونهم ويصادرون أدوات الكتابة البسيطة المتمثلة بـ دلو دهان حائط، بخاخة كتابة ، أعمدة خشب صغيرة.
وكانت قد استمرت الانتفاضة الأولى التي اندلعت عندما صدمت شاحنة يقودها اسرائيلي سيارتين فيهما عمال فلسطينيين بالقرب من مخيم جباليا للاجئين في قطاع غزة لسبع سنوات.

























