غزة:
أعلن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في العشرين من مارس/آذار/2018، بأنه سيتخذ سلسلة من الإجراءات وصفها بـ"الوطنية والقانونية والمالية"ضد قطاع غزة؛ وذلك عقب تفجير موكب رئيس الوزراء رامي الحمد الله، ومدير المخابرات العامة ماجد فرج، وكان قد سبقتها بعام سلسلة إجراءات اتخذها طالت رواتب الموظفين والموازنات التشغيلية للصحة والتعليم.
اللافت في الأمر أن الرئيس عباس اجتمع برئيس سلطة النقد عزام الشوا عقب الإعلان مباشرة لمناقشة هذه الإجراءات، وفق تسريبات بعض وسائل الإعلام.
هذا الأمر طرح عدد من الأسئلة حول دور سلطة النقد في تنفيذ وتطبيق هذه الإجراءات، والتي يقول المختصون إنها لعبت دور خفي في تعميق الأزمة المالية في قطاع غزة، وزاد ظهورها أكثر عقب العقوبات الأخيرة على القطاع.
ووفق تقديرات عدد من المراقبين، فإن الاجتماع كان يهدف إلى التنسيق مع السلطة في عملية خفض نسبة الرواتب؛ لضمان حصة البنوك وتقديم مبالغ من الرواتب للموظفين تكفي لتسترد البنوك قروضها فقط، وبناءً عليه تم تحديد النسبة. فضلا عن طرح ملف التحويلات المالية الى غزة والتشديد عليها.
التشديد على التحويلات
وتعتبر سلطة النقد الفلسطينية، إحدى مؤسسات سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني، وأنشئت عام (1994) بموجب قانون أصدره المجلس التشريعي الفلسطيني فيما بعد عام (1997)، والذي ينص على أنّها تهدف لِـ "ضمان سلامة العمل المصرفي والحفاظ على الاستقرار النقدي وتشجيع النمو الاقتصادي في فلسطين.
وتلعب سلطة النقد دور البنك المركزي في الدول المستقلة، وتقوم بالرقابة على البنوك الفلسطينية ومحلات الصرافة وكل المؤسسات المالية، وهي الجهة المخولة بمنح التراخيص لها، ومن هنا تكمن أهمية هذه المؤسسة التي تتحكم بالسياسة المالية والنقدية في الأراضي الفلسطينية.
ومنذ أحداث الانقسام عام (2007) اتخذت سلطة النقد سلسلة إجراءات ساهمت في تعميق الحصار المالي على قطاع غزة، إلا أن هذه الإجراءات تشددت بعد فرض السلطة عقوباتها على غزة في (2017)، ما يجعلها أشبه بالذراع الماليّ للسلطة الفلسطينية في التضييق على غزة مالياً وتجفيف منابع الأموال فيها.
الخبير المالي رامي عبدو أكد أن سلطة النقد كان لها دوراً بارزاً في تشديد الخناق الماليّ على قطاع غزة، حيث أن رئيس سلطة النقد عزام الشوا يتحالف بشكل واضح مع البنوك والحكومة من أجل المزيد من الاستغلال للمواطن الغزي.
وقال عبدو في حديث خاص بِـ "شبكة نوى":" إن سلطة النقد تتباهى في فترات سابقة بأنها نجحت وبعد جهود كبيرة من استبدال ما مجموعه (155) مليون شيكل، و(4.3) مليون دولار و(1.1) مليون دينار للبنوك في القطاع، ويعد هذا الاجراء هو إنجاز مهم لغزة في حين تتخذ في الحقيقة إجراءات تساهم في خنق القطاع".
وتابع عبدو :"خلال سنوات الانقسام اتبعت سلطة النقد سلسلة إجراءات كان لها دوراً هاماً في الأزمة المالية التي يواجهها أهالي غزة الآن عبر إغلاق حسابات جمعيات الأيتام، ووقف تحويل حصة غزة من المنح الخارجية، بالإضافة لمنع البنوك من تقديم تسهيلات ائتمانية للقطاع الخاص".
وأوضح أنها ضيّقت على عمل محلات الصرافة ووقف الحوالات، وإغلاق حسابات الأفراد والمؤسسات، كما فرضت قيوداً على حركة تداول العملة من قبل سلطة النقد الفلسطينية على البنوك العاملة في قطاع غزة، لا سيما على مؤسسات العمل الخيري.
وحول سياستها اتجاه البنوك قال :"منعت البنوك من توسيع دائرة عملها في غزة، كما فرضت عليها ممارسة انتقائية". مضيفاً :" أنها امتنعت عن توجيه البنوك إلى توقف أو تقليص نسبة الخصومات على قروض الموظفين بعد خصم نسبة (50%) من رواتبهم، ما زاد من نسب الفقر وشح الأموال التي تدخل السوق الغزي.
الشمولية المالية باستثناء غزة
تعمل سلطة النقد وفق مبدأ الشمولية المالية، وهذا يعني أن لكل مواطن فلسطيني حقّ في فتح حساب بنكي، إلا أن هذا الحق مُنع منه أهالي قطاع غزة.
ويؤكد الخبير في الشأن الاقتصادي أسامة نوفل أن سلطة النقد شددت من إجراءاتها على فتح الحسابات البنكية للمواطنين، إلا إذا كان موظفاً أو يتبع لمؤسسات تعترف بها السلطة.
وأوضح أن هذا الإجراء طال قطاع غزة دون الضفة الغربية، وكان له أثراً سلبياً على قدرة المواطن لتحويل الأموال من الخارج وعلى الحركة الاقتصادية داخل غزة.
"هناك إجراء جديد لم نسمع به سابقاً، وهو عدم الضغط على البنوك في مجال العملة الأجنبية وهي قضية جديدة أظهرت "الدولار المغسول أو الأبيض"، وتعد قضية هامة جداً، حيث من المفترض أن البنوك عندما تقدم لها أي عملة يجب أن تتعامل بها، ولكن في قطاع غزة ترفض البنوك قبول عملة الدولار القديمة والمهترئة ما أثر على المواطنين".
وتابع نوفل:"كان من المفترض أن تعطي سلطة النقد أن أوامراً للبنوك بضرورة التعامل مع هذه العملات واستيعاب هذه الأموال؛ لكنها رفضت مما أرهق المواطن الذي بات يخسر من (20- 30) شيكل في كل (100) دولار".
وتحدث نوفل حول قضية التسهيلات البنكية التي لها علاقة بالقروض الاستثمارية، فهي لم تمارس أي دور في جلب الاستثمار لغزة عبر القروض الاستثمارية، والتي كان من شأنها أن تمنع تدهور الوضع الاقتصادي في غزة.
وشدد على وجود إشكالية كبيرة في التحويلات المالية من الخارج حتى من الضفة لغزة، فهي تحتاج لإجراءات صعبة ومعقدة مما يؤدي إلى لجوء المواطن للصرافين لتحويلها، وبعضهم يرفض وآخر يأخذ نسبة كبيرة مقابل تحويلها.
ومنذ العام (2007) يمنع تحويل أي مبلغ مالي لغزة يتجاوز 10آلاف دولار، إلا أنه منذ فرْض السّلطة عقوباتها، بات تحويل مبالغ بسيطة لا تتجاوز ألف دولار تواجه بصعوبة شديدة.
وبين أن السلطة تتجاهل أزمة سعر الصرف في غزة، والتي تختلف عن سعرها في الضفة ولا يوجد ضبط لهذه الأسعار، وتبرر سلطة النقد ذلك بعدم وجود سلطة تنفيذية لها في قطاع غزة، ويضيف نوفل :"كان بإمكانها مراجعة الصرافين وتعاون مع الاقتصاد بغزة لضبط محلات الصرافة التي تعمل دون أي قانون أو متابعة، والتي قد ينتج عنها عمليات نصب".
وقال :"إن كل المؤسسات الأهلية والجمعيات الخيرية وكفالات الأيتام في القطاع باتت تعاني من منع التحويلات المالية لها وفق سياسة سلطة النقد، والتي تمنع دخول هذه الأموال لغزة مما ساهم في خلق أزمة سيولة نقدية ومالية حادة في القطاع، تسببت بإغلاق عدد كبير منها".
وبذريعة محاربة الأرهاب توسعت سلطة النقد في منع فتح حسابات للأفراد والمؤسسات.
"شبكة نوى" تواصلت مع سلطة النقد للرد على الاتهامات التي تكال لها حول دورها في تعميق الأزمة المالية والنقدية في قطاع غزة، إلا أنها لم تتلق أي استجابة.
كما أرسلنا بريداً الكترونياً يتضمن الأسئلة الصحفية منذ أكثر من شهر، إلا أننا لم تتلق أي ردود حتى كتابة هذه السطور.
























