شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 10 يوليو 2026م13:45 بتوقيت القدس

تحرك المياه الراكدة مؤقتاً

ما مصير التحقيقات الاستقصائية التي هزت عروش الفساد؟

15 اكتوبر 2018 - 05:43
شيرين خليفة
شبكة نوى، فلسطينيات:

غزة: شيرين خليفة 

عندما أنجزت الصحافية شيماء مرزوق تحقيق "الاستيلاء على موقع تل السكن الأثري وتوزيع جزء من أرضه لصالح موظفين كبار"، أرادت من خلاله إثبات ما لحق بالموقع الأثري الذي يعود تاريخه إلى نحو5000 عام من أذى نتيجة التجريف الحاصل أملًا في إنقاذ ما تبقى ومحاسبة المسولين عما لحق بالموقع.

والحقيقة إن التحقيق الحائز على جائزة أمان للنزاهة والمساءلة لعام 2017 رغم ما ضمّه من شهادات إلا أن أي من المسؤولين لم يُعرض للمساءلة بل سارت الأمور كما كانت وفي النهاية تم تقسيم الموقع وأُغلقت القضية على "لا شيء".

واقعٌ، يجعلنا نتساءل أي مصير ينتظر التحقيقات الاستقصائية التي يجتهد الصحفيون/ات فيها لإثبات تجاوزات متعلقة بالوظيفة العامة سواء بقصد (ِشبهة فساد) أو دون قصد (سوء إدارة) وفي كل الأحوال فإن المواطن هو المتضرر من أي ممارسة خاطئة، فأين دور الجهات المسؤولة في متابعة نتائج هذه التحقيقات؟

تقول الصحفية الاستقصائية شيماء مرزوق: "حين ننشر التحقيق الاستقصائي نعتبر ذلك بلاغ للنائب العام، فمثلًا تحقيق الزميل محمود هنية حول بيع عناصر من الشرطة البحرية للأسماك التي يتم اصطيادها من الميناء، هذه معلومات مهمة تتطلب فتح تحقيق رسمي".

وتضيف مرزوق أن التحقيق الاستقصائي هو ما يميز الصحفي وهو مرهق زمنيًا وفكريًا في متابعة القضية وإثباتها، بالتالي هم يريدون له نتيجة، لكنها ترى أن رد فعل الناس فهذا من شأنه تحقيق ضغط،  في تحقيق تل السكن سمعنا أنه تم فتح تحقيق في النيابة ولكن لسنا في دولة قانون حتى تتم المحاسبة.

وتعتقد مرزوق أن هذا الوضع يجب ألا يدفع الصحفيين/ات للإحباط، فهذا جهد تراكمي ويجب أن يستمر، عمل التحقيقات هو دورنا كصحفيين/ات ويبقى لدى باقي الجهات عملها لتواصله، لسنا دولة قانون الآن ولكن يجب أن يحدث تغيير.

بدوره يرى الصحفي الاستقصائي محمد أبو شحمة، إن مجرد نشر التحقيق يحقق نتائج كونه قضية رأي عام يتفاعل معه الجميع، وهذا بدوره يشكّل ضغطًا على الجهات المختصة، ولكن إذا لم يتفاعل معه الجمهور لا يحقق نتيجة، موضحًا إن التحقيقات الاستقصائية هي أحد أهم أدوات الضغط.

وأوضح أبو شحمة أن دور الصحفي الاستقصائي كشف شبهات الفساد وليس تقديم بلاغي رسمي للنائب العام أو غيره، ولكن هو بمثابة إشارة للنائب العام للفت النظر وفتح تحقيقات، فمثلً تحقيق مثل الصيد في الميناء وهو نموذج للتحقيقات القوية المدعمة بالوثائق فورًا تم إصدار توضيح من قبل وزارة الداخلية.

وشرح أبو شحمة بأن أفضل التحقيقات الصحفية التي نفذها يتعلق باستخدام المخابز للمياه غير المحلّاة وهو ما يؤدي إلى حدوث تفاعلات ينتج عنها مواد مسرطنة، وعلى الفور تحركت وزارة الاقتصاد بالطلب من المخابز استخدام المياه المحلّاة وتوضيح ذلك للجمهور.

من جانبه قال المحامي عبد الله شرشرة من ائتلاف أمان، إن مستوى التحقيقات الاستقصائية في تطور مستمر، خاصة وأن هناك موارد جيدة أصبحت متاحة للصحفيين الاستقصائيين، مثل التدريبات والاستشارات القانونية والصحفية، في ظل وجود صحفيين لديهم الجرأة على طرح قضايا تهم المواطن وتكشف مخالفات قانونية.

وحول تجاوب المسؤولين مع نتائج التحقيقات قال شرشرة إن هذا الأمر يعتمد على ردود الأفعال حول التحقيق الاستقصائي، وقدرة الصحفي على إثبات الفرضية التي تناولها التحقيق، فحين يصبح الموضوع حديث الناس ورواد مواقع التواصل الاجتماعي تضطر الجهات الحكومية لتشكيل لجان تحقيق، وهذا لمسناه في عدد من التحقيقات، أو تقوم بعض المؤسسات الحكومية بإصدار بيانات للرد على محتوى هذه التحقيقات، وفي حالات أخرى تتجاوب الجهات الحكومية مع هذه التحقيقات بشكل سلبي عبر التضييق على الصحفي وإصدار تهم جزائية ضده، أو على الأقل التحقيق معه.

وأضاف: "لكن ينبغي الإقرار أن تحقيق الحكومة في مثل هذه القضايا متاح لمستوى معين من التجاوزات، أما التجاوزات الكبرى التي تتعلق بالتعيينات في الوظائف العليا، وآثار الانقسام السياسي ذات الطابع المالي كالرسوم والضرائب والقضايا المرتبطة بالأمن والأراضي الحكومية والقضاء لا يزال تأثير التحقيقات الاستقصائية فيها محدود".

وحول الجهة المنوط بها فتح تحقيق قال شرشرة إن هذا يعتمد على الخطأ الذي ينبغي لجهة التحقيق التدخل بشأنه، فمثلاً القضايا ذات الطابع الجزائي والتي تمثل مخالفة لقانون العقوبات، تتدخل لعلاجها النيابة العامة والأجهزة الشرطية حسب اختصاصها، أما القضايا الإدارية والمالية في الهيئات الحكومية فالتحقيق في هذه الحالة  يتم على عدة مستويات، فتقوم به الوزارة ذاتها، بالإضافة إلى ديوان الرقابة المالية والإدارية.

وحول دور الصحفي عقب إنجاز تحقيقه قال شرشرة إنه قد يلعب أكثر من دور، الأول هو واجبه كمواطن، حسب المادة 24 من قانون الإجراءات الجزائية، الذي ينص على أن " لكل من علم بوقوع جريمة أن يبلغ النيابة العامة أو أحد مأموري الضبط القضائي عنها ما لم يكن القانون قد علق تحريك الدعوى الجزائية الناشئة عنها على شكوى أو طلب أو إذن "، أما الدور الثاني فهو الشاهد في المحكمة أو أمام النيابة العامة، خاصة لو كان التحقيق يتضمن مشاهدات شخصية موثقة قام بها الصحفي الاستقصائي، وقد تستعين النيابة العامة بالأدلة التي احتواها التحقيق الاستقصائي في تحقيقها الخاص، أو كأدلة إثبات أمام المحكمة، والدور الثالث فهو يتمحور بإثارة انتباه جهات التحقيق الرسمية لقضية ما، فتقوم هذه الجهات بفتح تحقيق من جانبها، لكن التحقيق لوحده لا يعتبر بمثابة بلاغ للنائب العام.

 

كاريكاتـــــير