شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 10 يوليو 2026م13:45 بتوقيت القدس

مبادرة لأطفال تعيد الحياة لموقع أثري مهجور

04 اكتوبر 2018 - 09:22
شيرين خليفة
شبكة نوى، فلسطينيات:

غزة:

تمسك الطفلة لمى أبو شمالة "15 عامًا" بالمدمة "مشط الأرض"، لتنظيف أرض مدرسة الكمالية في البلدة القديمة بمدينة غزة، من الأعشاب الضخمة التي عششت في أرضيتها الترابية وجدرانها ذات اللون البني نتيجة هجر هذا الموقع الأثري المهم لعشرات السنين وإهماله ما أدى إلى انتشار القاذورات والقمامة وظهور الحشائش فيه.

الطفلة لمى وثمانية أطفال من أقرانها قرروا خوض مبادرة بعنوان "معًا لإحياء آثارنا"، حملت شعار إحنا بنعرف وبكرة بنعرّف غيرنا"، والتي تأتي كواحدة من مجموعة مبادرات تقدّم بها أطفال لأكاديمية بردج حيث حصل 120 طفلة وطفل على منح لتعلّم اللغة الإنجليزية وتم في إطارها تقديم مجموعة من المبادرات النوعية، قادت إحداها إلى الذهاب لمدرسة الكمالية.

الطريق إلى الكمالية ليست صعبة لكنها لن تخطر على البال، ما إن تمر بشارع عمر المختار الشهير في البلدة القديمة بمدينة غزة والمعروف بأنه سوق للمحلات التجارية، وفي نهاية واحدة من هذه المحلات الحديثة تصطف مجموعة من الجلابيب للعرض، تخفي خلفها بابًا حديديًا صغيرًا ما إن تفتحه وتدلف داخله حتى تجد نفسك مباشرة داخل موقع أثري وكأنك انتقلت إلى عصر آخر.

خلف هذا الباب تختفي المدرسة الكمالية

يعود تاريخ المدرسة الكمالية –وهي من أوائل المدراس في فلسطين- إلى العهد الأيوبي، بنيت عام 1237، وبقيت مستخدمة حتى نهاية العهد العثماني، استخدمت لفترة كصرح للفقراء وتحولت في عهد فهمي بيك الحسيني إلى مدرسة للبنات، لكنها بعد ذلك بقيت مهجورة.

تقول لمى :"هدف المنحة أن يتعلم الاطفال اللغة ويطوروا مهاراتهم وزيادة ثقتهم بنفسهم واختاروا نخبة النخبة منهم، ومن بين آلاف المتقدمين تم اختيار 120 فقط"، وتضيف إنها قررت أن تكون مبادرتها وفريقها مختلفة ونوعية لذا اتجهت نحو الآثار التي هي تاريخنا وعنوان جذورنا على هذه الأرض.

بعد اختيار الاسم وتطوّع خبير الآثار فضل العطل معهم، رشّح لهم مدرسة الكمالية لتكون عنوان الانطلاق، إذ تؤكد لمى إنها لم تكن سمعت عنها من قبل، لكنها سعيدة بتحقيقها إنجاز مهم، فبعد أسبوع واحد من العمل تم تنظيف نحو ثلث المكان، وهم ما شجّع الفريق على المواصلة وتدشين حملة الكترونية للمزيد من المتطوعين.

وترى أبو شمالة إن موقعًا يعود تاريخه إلى مئات السنين من الإجحاف أن يبقى مجهولًا وتواريه المحلات التجارية، فالأصل مواصلة العمل لترتيبه كي يتحول إلى موقع تنفذ فيه الفعاليات الثقافية والندوات والامسيات الأدبية.

أما زميلتها في المبادرة الطفلة شهد جبر وهن من مدرسة ممدوح صيدم الإعدادية :"كنا حين نسأل الناس عن الآثار لا يعرفوا إلا المواقع الشهيرة، ولكن كنت واثقة أن هناك مواقع أخرى، تشجعت للفكرة لأنها تحمي تاريخنا وتحمل هويتنا".

وتضيف شهد إن في بداية الأمر استغربت وجود مثل هذا الموقع وفي هذا المكان الذي لم يخطر على بالها سابقًا وجود موقع أثري يختفي خلفه، إلا أن هذا زادها كما تؤكد قناعة بضرورة العمل بجدية من اجل تعريف كل الاطفال بهذه المواقع، صحيح أن أعمال تنظيف وترتيب الآثار شاقة ولكن يجب أن نتعب كي نحصل على نتيجة جميلة.

لكتا الطالبتان لمى وشهد تحصدان معدلات دراسية عالية، وترغبان في الدراسة بالفرع العلمي، لكنها تؤكدان أن دراسة التاريخ والآثار ليس بحاجة إلى تخصص معين، فالأصل ان نعرف كلنا مثل هذه المعلومات وننقلها لغيرنا.

أما خبير الآثار فضل العطل والذي شدّته مبادرة الاطفال، وعكف متطوعًا على مساعدتهم والإشراف على عملهم وتزويدهم بالمعلومات اللازمة، يقول إن المبادرة يجب إتمامها بالدراسات العلمية وبالمزيد من المتطوعين/ات من اجل عمل حملة نظافة كاملة للمكان.

وأثنى العطل على المبادرة التي سوف تستمر ثلاثة شهور ورأى فيها نبراس أمل يمكن أن يؤدي غلى حماية الموقع المهجور والذي لم يحظ بأي اهتمام قبل هذه المبادرة، ومن ثم يمكن الانتقال إلى مواقع أخرى، عملية التنظيف والترتيب شهدت دعمًا رائعًا من الجمهور الذي أثنى عليها وقدم المساعدة ولكن الترميم يحتاج إلى تمويل يقدّر بنحو 150 ألف دولار، مبلغ ليس بسيطًا ولكن لاشيء مستحيل فهؤلاء الأطفال بعزيمتهم القوية أثبتوا أن كل شيء ممكن، وهذا الموقع المهجور ممكن إعادة الحياة فيه ليصبح مقرًا ثقافيًا.

وشدد العطل على أننا بحاجة إلى مثل هذه المبادرات النوعية التي تحافظ على آثارنا وتعمل على تعريف الجمهور بها وخاصة من الأطفال، فنحن أصحاب تاريخ وحضارة من المؤلم أن تبقى آثارنا مهجورة، مشيرًا إلى أن كل الإمكانيات اللازمة للتنظيف باتت متوفرة لكن بحاجة إلى حقيبة إسعاف أولي.

انتشار خبر المبادرة على الفيس بوك، دفع بعدد من المتطوعين والمتطوعات إلى الانضمام للفريق الذي توسّع ولم يعد يقتصر على فريق أطفال أكاديمية بردج، شيرين عبد الهادي "41 عامًا" وهي ربة بيت جاءت برفقة صغارها الثلاثة (7سنوات/6سنوات/4سنوات) كي تساعد الفريق وتعلّم أطفالها أن الحفاظ على الآثار مسؤولية الجميع.

تقول شيرين التي كان تمسك جاروفًا لقلع الأعشاب وتضرب بقوة في الأرض:"جئت هنا لاهتمامي الشخصي بموضوع الآثار، حتى أنني عندما يزورني ضيف أو أصطحب أطفالي لنزهة يكون إلى مواقع أثرية".

وتؤمن شيرين إن الذهاب إلى المطاعم والفنادق الفارهة ليست سياحة وإنما هي اماكن خدماتية نستخدمها للأكل والشرب والنوم، أما السياحة والتنزه من وجهة نظرها فهو فقط في هذه المواقع التي تحمل تاريخنا وتحفظ مستقبلنا.

وتضيف:"مصلوب القامة يجب ان يعرف أصله، والسوق الضعيف لا يثبت في الأرض، يجب أن نعرف تاريخنا، أطفالي أحضرهم إلى هنا كي يشعروا أن هذا المكان وغيره من الآثار لهم، ليس بالضرورة معرفة الناس أنهم ساهموا ولكن المهم أن يشعر هو بدوره".

كانت شيرين تواصل عملها بينما ينشغل صغارها الثلاثة يزن ولوليتا وبانا بجمع الأعشاب ووضعها في أكياس، ولم تخلو حوارات اطفالها من بعض الفاكهة إذ يصر يزن "7سنوات" على أن أناسًا "وحشين" خربوا المكان وأن أناسًا جميلين يقوموا الآن بتنظيفه.

أما صديقتها رنا أبو شعبان 22 عامًا وهي طالبة لغة انجليزية، فقد جمعها مع شيرين شغف حب الآثار، ما إن سمعت بالمبادرة حتى انضمت إيمانًا منها بضرورة ان يأخذ كل مواطن دوره في حماية الآثار، وأن هذه المسؤولية فريدة كما أنها جماعية.

تقول رنا :"كنت أبحث برفقة صديقة لي عن مواقع أثرية للتنزه فيها، ولكما سألت أخبروني بالأسماء الشهيرة المعروفة، وكان إيماني الدائم بأن هناك مواقع غير شهيرة، حتى تعرّفت بشيرين التي اخذتني إلى مخزن الآثار وتعرفت على ما فيه ومن ثم أخبرتني بخصوص المبادرة التي سارعت بالانضمام لها دون تأخير.

ثمة أمل أحياه هذا الفريق من الأطفال الذين سبق تفكيرهم عمرهم بان هذا الموقع المكوّن من طابقين على مساحة 573.2 م2،  وبعد أن كان يعجّ بالقمامة والرائحة الكريهة واللون الرتيب، يمكن ان يصبح بحجراته المقوّسة ذات يوم معلمًا ثقافيًا مهمًا.

كاريكاتـــــير