غزة-نوى-شيرين خليفة:
ما زال الحاج عمر المسارعي "82 عامًا" يذكر جيدًا انضمامه إلى جيش التحرير الفلسطيني عندما كان في ريعان شبابه، ويسرد بألم وحسرة ذكريات مناضلين جمعتهم ساحة القتال وفرّقتهم الأيام وكبر السن وتفكك الجيش، لكن ما يجرح نفسه هو ذلك التهميش الذي يعانيه من تبقّى من هؤلاء المقاتلين.
يسكن الحاج عمر في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة، اعتاش لسنوات على مهنته كسائق ولكن أعجزه كبر السن عن المواصلة فما عاد يجد ما ينفق به على بيته رغم حَمله لتاريخ مشرّف قضى شبابه فيه مناضلًا ولكن نسيه الجميع في شيخوخته.
يروي المسارعي بصوت واهن متقطع تاريخ انضمامه لجيش المناضل المصري الشهيد مصطفى حافظ عندما كان في 17 من عمره، والذي رشحه للتطوّع في جيش التحرير الفلسطيني إضافة إلى نحو 1000 آخرين، ويذكر جيدًا اللحظة التي انفجر فيها طرد أودى بحياة القائد المصري الذي كان مكتبه يقع إلى الغرب من مدينة غزة، تحديدًا قرب المجلس التشريعي الفلسطيني حاليًا.
لاحقًا انضم المسارعي لجيش المناضل الفلسطيني أحمد الشقيري وخاض عدة معارك ضمن الكتيبة 43 التي تلقّت تدريبًا من ضباط مصريين، لكن ما يجرح نفسه هو هذا الإهمال الذي يعانيه وغيره من المناضلين رغم ما قدموه لفلسطين، فمنذ قدوم السلطة الفلسطينية، لم يحظوا بالاهتمام المطلوب، تمامًا كما يروي زميله المناضل زاهد كريّم الذي بلغ السبعينات من العمر، لكنه انضم إلى جيش الشقيري شابًا بعد أن اختار العودة من عمله في السعودية حين سمع بتأسيس جيش فلسطيني.

يقول كريّم:"عدت من أجل التطوع لخدمة الوطن، شاركت في جيش الشقيري عام 1963 بعد خضوعي لدورة قناصة عملت حينها في الحراسات، كنت في سرية استطلاع أرصد وأسجل تحركات العدو وبقيت
أمارس مهمتي خلال حرب 1967 حتى هزيمة الجيوش العربية".
لكن كريّم كما المسارعي يشتكي من ضيق الحال بعد أن عجز عن العمل كموظف في السلطة الفلسطينية، ولم يساعدهم أحد في العودة لتشكيل جيش كما كانوا، بل لم يحقق لهم أي طرف حقوق تكفل لهم عيشة كريمة بعد أن أفنوا شبابهم خدمة للوطن، على أمل تحرر لم يأتِ بعد.
ويشتكي المناضلان كما غيرهم حاجتهم ليس فقط إلى مخصصات شهرية تحفظ كرامتهم الحاجة إلى أي إنسان، فهم أيضًا يريدون مكانًا لائقًا يجتمعون فيه يمارسون فيه أنشطة متنوعة تثقيفية وبدنية وورشات عمل ويلتقون بمن ناضلوا معهم.
يقول رئيس جمعية المحاربين القدامى اسماعيل الناقة إن هؤلاء المناضلين لا يحصلون على اي مستحقات وفشلت كل الجهود من أجل تأمين راتب مقتطع لهم بعد أن تم وقف قرار سابق من الرئيس ياسر عرفات بتوفير مبلغ 800 شيكل شهريًا لكل منهم.
وأوضح أن الجمعية تخدم ثلاثة فئات هي الأسرى القدماء الذين أمضوا فترات طويلة في سجون الاحتلال، والجيش الذي شكّله القائد المصري الشهيد مصطفى حافظ لكن غالبيتهم توفوا فهم كبار في السن، والثالثة هم جيش أحمد الشقيري وكان عددهم عند تأسيس الجمعية 4000 شخص والآن لا يتجاوزا 2500، إلا أن ملفهم كبير وصعب وشائك.
تتكون جمعية المحاربين القدامى من شقة صغيرة بمكتبين فقط لا يتوفر فيها إلا بعض الأثاث المكتبي البسيط، بينما يزورها الرجال الذين خاضوا غمار الثورة بين وقت وآخر على أمل سماع أي خبر حول حل ملفهم.
يشرح الناقة أن الجمعية غير قادرة على توفير أي حقوق لهؤلاء المناضلين الذي كان يسأل عنهم الرئيس ياسر عرفات دومًا ويقول أنهم احترموا فلسطين ويجب أن نحترمهم في كبرهم، أسس لهم الجمعية ودفع لهم رسم الانضمام إلى الاتحاد العربي للمحاربين والفيدرالية العالمية للمناضلين في فرنسا والتي يبلغ اشتراكها سنويًا 3000 دولار تدفعها السلطة الفلسطينية ولكن لم يحصل المناضلون أنفسهم على حقوقهم.
وأضاف أن ملف المناضلين القدماء تنقل ما بين وزارة المالية ومكاتب المسؤولين دون أي حلول حتى الآن، لا يتوفر لهم سوى بعض ما توفره المؤسسات الخيرية بين فترة وأخرى من كوبونات لا تلبي احتياجاتهم، متسائلًا:"أين نذهب".
نوى حاولت التواصل مع رئاسة الوزراء لكن رد مكتبهم بأن ملفهم من اختصاص منظمة التحرير، الشخصيات التي حاولنا الالتقاء بها قالوا أنه ليس من تخصصهم، إذن من يتحمل مسؤولية إهمال المناضلين القدماء الذين حملوا الراية ووضعوا أرواحهم على أكفهم من أجل وطن ينساهم فيه المتنفذون الآن.
























