شاب طويل القامة، يبدو مهرجًا مرحًا، يتجوّل بين أطفال مرضى بالسرطان، هم زملاء له في الحقيقة، جمع بينهم هذا المرض الخبيث، انتصر عليه بعد طول قتال، ليصير اليوم نموذجًا داعمًا لمقاومة السرطان الذي يحاول النيل من أصدقاءه، إنّه الشاب الوسيم جهاد كريّم.
بحسب وزارة الصحّة الفلسطينية؛ فتعتبر أمراض السرطان هي المسبب الثاني للوفاة بين الفلسطينيين، خلال العام 2016، كما أكّدت أنه طوال الأعوام السبعة عشر الماضية، شهد الفلسطينيون زيادة ملحوظة في حالات السرطان، ارتفاع معدلات الوفاة نتيجة ذلك.
"حتمًا سأهزم المرض وأنال منه، لن أدع له مجالًا ليتغلغل بنفسيّتي وأعيره اهتمامًا!" هكذا أحدث كريّم 25 عامًا من مدينة غزّة الفرق كلّه، وصار نموذجًا يحتذى به لكلّ من عرفه أو سمع عنه وقابله، بل ان أناس آخرين سعوا إليه طلبًا لمساعدة أبناءهم المرضى في تحسين نفسياتهم والنهوض بأنفسهم بعيدًا عن بؤس المرض. اختار أن ينتصر على سرطان الدم وقاتله بشراسة، إلى أن قرّر أن يصبح "مهرّجًا" يشكّل ملامح أطفال في ابتسامات وضحكات يحاول المرض أن ينال منهم.
بدأ العلاج الذي استمرّ عامًا ونصف العام. جرعات كيميائيّة مكثّفة أسقطت شعره، إشعاع وزراعة للنخاع العظمي، طريق معاناة وآلام جسديّة ونفسيّة، تخلّلها منع للتحويلات الطبيّة استغرق نحو ثمانية أشهر قضاها جهاد بمشافي القطاع التي زادت حالته الصحيّة تعقيدًا بسبب ضعف الإمكانيات. وفي رحلة الشّفاء، كان وضع جهاد النّفسي سيئًا في البداية، إلى أن اختلفت نظرته للأمر. يقول: "ذات يوم اتصل بي والدي عبر سكايب كي أراه وبقية اخواتي الذين أكبرهم أنا سنًا. تفاجأت بهم جميعًا من دون شعر، حتّى أخواتي الإناث، فعلها أبي ليتضامن معي ويساويني فيهم وإن كان الأمر شكليًا"
يتابع أن هذا الحدث أعطاه دفعة قويّة بطاقة إيجابيّة تضاهي قدرة المرض على قتله آلاف المرّات. استطاع أن يشجّع نفسه ونجح في ذلك، كوّن صداقات كثيرة داخل المستشفى، أتقن اللغة العبرية وصار دعامة يستعين فيها الأهالي لتقوية أبناءهم وتحسين نفسياتهم به كنموذج يحاول الانتصار على المرض بكلّ ما أوتي من شجاعة، من بينهم والدة شاب اكتشف أنه كان زميلًا سابقًا في المدرسة، جمعهما المرض مجدّدا، وأخرجتهما الإرادة في معًا ليعودا إلى غزّة بصحّة جيّدة.
وفي يوم السرطان العالمي، يوجّه جهاد رسالة إلى أصدقائه مفادها "ثمّة رسالة أوجهها لأصدقائي المرضى، والمجتمع لا تنظروا إليه أنه قاتل حاسم حياتك، هو بمثابة عقبة سوف نتجاوزها جميعًا وأنا واحد منكم، لم تكن تجربتي سهلة، ولكن بالأمل حييت وحاربته، وقاتلته حتى نلت منه ولم أسمح له النيل من إرادتي. معًا جميعًا نحو مقاومته، أنتم الأقوياء كونوا واثقين، ولا تنسوا أن 90 بالمئة من قتله هو الأمل والنفسية الجيدة. لا تستسلموا يا أصدقاء."
من العالم الافتراضي؛ قصصٌ تُحكى
لا ينفك الصحافي أحمد يوسف عن نقل تجربته مع مرض السرطان عبر صفحته الشخصية في فيسبوك، بشكل طريف. يقول إنه "بعد بداية العلاج الكيماوي بجلستين أو ثلاث، كانت أعراض المرض تذهب وتعود، ثم تأتي أعراض مجموعة أمراض مع بعضها البعض، حرارة، قشعريرة، هبوط عام، سوفان، وجع في الأطراف.. لكن اللطيف في الموضوع أن المريض يرجع سبب أي مشكلة يواجهها من الكيماوي، مع أنه يكون على علم أنه ليس السبب من الكيماوي، بس بكون حابب يلاقي سبب للي بحس فيه ويأجل أي اشي لازم ينعمل لبعد انتهاء العلاج"
ويضيف "يعني مثلا أنا كنت رح أتسبب بموت الدكتور من الضحك لما سألته هو الكيماوي بخلي الواحد ينسى وين صف سيارته؟ وداره بأي طابق في العمارة؟ وشو باسوورد موبايله؟ ولما خلص ضحك ع شوي كان بدو يستقيل من السؤال، بس مع هيك بعدني مصر إنه الكيماوي أثّر ع فيتامينات الذاكرة عندي"
وبمناسبة اليوم العالمي للسرطان يتابع "نحييكم من اليوم العالمي للسرطان وبنقلكم إنه لا تحرموا أنفسكم من أي شيء تحبونه لأنكم خائفين من السرطان، لأن السرطان لو بدو ييجي بيجي شو ما تعملوا.. باستثناء الدخان"
وتعتبر ريم الهندي وهي زوجة أحمد، أن بلاء السرطان جعلها ترى الحياة بشكل مختلف، إذ لفت انتباهها إلى أن "الشبابيك المطلة على الحياة أكثر بكثير من المغلقة، لذلك قررت أن أفتحها كلها حتى تنوّر حياتنا بالحب والعطاء والسعادة".
"تجربة نجاة" بهذا الاسم تطلق الصحافية هاجر حرب على قصتها مع السرطان. تروي هاجر قائلة "اكتشفت إصابتي بمرض سرطان الثدي في المرحلة الأولى بعد عدة مرات من الفحوصات الدورية" ولا تخفي لحظة معرفتها بالإصابة حيث وصفتها بـ "القاسية جدًا" لكن الشجاعة والجرأة تغلبت عليها في الحقيقة، حتى أخذت قرار أنها سوف تهزم المرض ولن تجعله يهزمها.
لم تكف هاجر عن مشاركة أصدقائها في العالم الافتراضي قصة مرضها، من ناحية لدعمها نفسيًا ومن ناحية أخرى لتشجيع مرضى آخرين على العلاج وتعزيز الأمل بإرادتهم نحو الانتصار عليه.
تضيف هاجر أنها حصلت على دعم لم تكن تتوقعه، ثم فرصة أخرى بالسفر للعلاج بالخارج، هذا العلاج الـ "المرعب" حسب وصف مرضى السرطان والمتمثل بالكيماوي الذي دفعها إلى ارتداء الشعر المستعار، ووضع مساحيق التجميل ورسم الحواجب في تجربة لم تكن تعيشها من قبل، فكانت فرصة جديدة لحُبّ الحياة أكثر
























