شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 11 يوليو 2026م00:58 بتوقيت القدس

تل العجول في خطر

قرية بأكملها تجثم على صدر موقع أثري

21 يناير 2018 - 08:06
شبكة نوى، فلسطينيات:

المغراقة:

تجثم قرية المغراقة الواقعة جنوب مدينة غزة بكاملها على صدر موقع أثري اسمه “تل العجول”، وتقام فوق المعلم الأثري الذي يضرب بجذوره حتى العصر البرونزي الوسيط والحديث، مرافق رسمية مثل بلدية المغراقة  ومركز شرطة إضافة إلى مئات المنازل لمواطنين يسكنون المنطقة منذ تسعينيات القرن الماضي.

وفي ظل إهمال واضح من قبل الحكومة الفلسطينية ووزارة السياحة على وجه الخصوص، فإن الآثار المتواجدة في التل تتعرض بشكل مستمر للنهب والبيع على أعين الناس الذين يشاهدون المنقّبين دون أن يُحرك أحد ساكنًا.

آثار للبيع!!

من يدخل المغراقة سيرًا على الأقدام لن يبذل جهدًا في رؤية تلّتها المقامة عليها عشرات المنازل ومئات الأشجار، ولكن دون وجود لأي يافطة أو إشارة إلى أننا دخلنا معلم أثري، ولن تلمح حتى آثار بارزة يمكن أن يُشار لها على الرغم من القيمة التاريخية والأثرية للموقع الذي يرقد أسفل كل هذا العمران والمعرّض لخطر الاندثار.

تقول المواطنة أم معتصم نبهان والتي يقع منزلها أعلى التل أن عمها -والد زوجها- سكن المكان منذ نحو 50 عامًا، وحين تزوجت كان الموقع أشبه بجبلين فوق بعضهم –شديد الارتفاع- قبل أن تضيّع أكثر من نصفه عمليات التجريف المستمرة من قِبل المواطنين الذين اشتروا قطعًا من الأرض وبنوا عليها بيوتهم وزرعوا أشجارًا.

وأضافت: “ما أظن ضل آثار في التل، بشكل مستمر يأتي شبان ويحملوا معهم جعارين وأشياء صغيرة يبيعوها ويترزّقوا منها، خاصة بعد هطول الأمطار بتظهر أشياء كتير”، وتضيف أنها لم تشاهد طوال هذه الفترة أي موظف من وزارة السياحة زار المنطقة فكل من يأتون هم من الهواة الذين يبيعون الآثار.

والجعارين التي تتحدث عنها هي عبارة عن تمائم صغيرة كان يستخدمها الكنعانيون، ومحاطة من الخارج إما بالزمرد أو الياقوت أو اللون الأخضر، ونظرًا لصغر حجمها يعتقد الناس أنها غير مهمة رغم أنها تثبت وجود الكنعانيين في هذه المنطقة.

بدورها قالت جارتها  أم نضال أبو شاويش أنها حين سكنت قبل سبع سنوات لم تكن تعلم بأنه موقع أثري، لكنها انتبهت إلى حركة الشبان الذي يبحثون عن جعارين وأشياء صغيرة أحيانًا سناسيل  وفخارات مكسّرة وبقايا عظام بشرية خاصة بعد سقوط الأمطار.

الرواية الأخطر كانت لشاب تواجد في المنطقة –طلب عدم ذكر اسمه- يحتفظ في جعبته بالعديد من القطع الأثرية المنقولة – عظام  وفخارات  وجعارين- قال إن بعضها من تل السكن وبعضها من تل العجول، مؤكدًا أنه باع مؤخرًا فخارة بمبلغ 100 شيكل كي يشتري دراجة هوائية وأنها ليست المرة الأولى التي يبيع فيها أشياء من هذا النوع، مع تأكيده أن أكبر مبلغ تحصّل عليه هو 400 شيكل، نافيًا علمه بما يمكن أن يستفيده منها من يشتري “هذه الأشياء القديمة” حسب وصفه.

وأشار الشاب إلى أنه يبحث بشكل دائم في المنطقة هو وغيره من الشبان، وتدخلت والدته للقول إنه في ظل الفقر الذي يعيشه الشباب يتعاملون مع هذه القطع على أنها مصدر دخل بسيط يعينهم على صعوبة الحياة وهي بالكاد تكفي احتياجاتهم الأساسية.

موقع كنعاني بامتياز

حسب الباحث أيمن حسونة أستاذ علم الآثار، فإن الموقع يعود إلى العصر البرونزي الوسيط أي 2200 قبل الميلاد ولم يعثر فيه على العصر البرونزي المبكر الموجود في تل السكن، وهو على قدر كبير من الأهمية فهو يشمل العصر البرونزي الوسيط والحديث، وقد عُر فيه على جعارين تمثل جميع الأسر الحاكمة الفرعونية سواء ضمن تنقيبات العالم فلاندرز بيتري عام 1930-1934 أو حسب تنقيبات العالم السويدي بيتر فيشر عام 2000.

كان الكنعانيون يسكنون الموقع وقد عثر فيه على آثار مصرية من خلال التبادل التجاري وخاصة في عهد تحتمس الذي طرد الهكسوس، إذ لم يتمكنوا من الوصول لمصر إلا من خلال غزة، وقد عُثر على حصان ناتج عن المواجهات أثناء هجرات الهكسوس أتت على الأغلب من آسيا واستوطنوا جنوب فلسطين، وخلال هذه المرحلة لم تكن قد نشأت ممالك لليهود أصلًا، ومن هنا تأتي أهمية الموقع التاريخية كما يشرح حسونة.

وانتقد حسونة إهمال الجهات الرسمية للموقع، فهوم تقام فيه الآن البيوت وتنمو فيه الأشجار وهذا يهدد سلامة الموقع، إلا أن أعمال التجريف هي الأكثر تهديدًا، ويتوجب على الأقل العمل الآن على المحافظة على الموقع لحمايته وخاصة من قبل وزارة السياحة التي لا تهتم به مطلقًا.

إهمال وزارة السياحة

بدورها قالت الباحثة هيام البيطار وتعمل في وزارة السياحة، “إن موقع تل العجول كان أرض وقف منذ العهد العثماني، ولكن في عهد السلطة الفلسطينية اتخذ قرار بتوسيع مدينة غزة من الجهة الجنوبية فأنشأوا قرية المغراقة وتم بيع الأراضي فيها بأسعار زهيدة جدًا، وهي من الأخطاء التي ارتكبتها السلطة بحق موقع أثري بالكامل”.

وأضافت البيطار أن الموقع رغم أهميته، أجريت فيه تنقيبات منذ عهد الاحتلال البريطاني نقوم نحن بطمسه، حتى أن العالم فيشر عاد هنا عام 2013 بحثًا عن آثار نقّب عنها عام 2000 ووضع علامة لها بئر ماء قديم، فوجده بعد جهد كبير في المنطقة في بيت لأحد المواطنين، وقد تمت محاورة المواطن على عدم هدم البئر ولكن للأسف تم هدمه من أجل بناء مظلة وطابق.

وتابعت أن الوزارة ليست راضية عن الوضع ولكن الأراضي ملك لمواطنين وحين تدخّل الموظفون تم تهديدهم بالسلاح من قبل أصحاب الأراضي، ولم يتمكنوا من فعل شيء خاصة وأن الموقع تقوم عليه قرية بأكملها بما فيها مؤسسات رسمية وبمساحة تزيد على 250 دونمًا.

وأكدت البيطار أن أي حل لهذه المشكلة يتجاوز قدرات وزارة السياحة باتجاه قرار حكومي فهناك صعوبة في إنقاذ الموقع ولكن من الممكن عمل مجسّات اختبارية أو حفريات في مناطق معينة لاستجلاء المظاهر الحضارية للتل.

إن قضية تل العجول كباقي قضايا التعدي على المواقع الأثرية تتطلب خطة حكومية واضحة لحماية واسترجاع المواقع الأثرية ووضع أسس ومحددات للمباني المقامة عليها كي لا تضر بالأثر نفسه، ولمنع التعدي المستقبلي على مواقع أخرى.

كاريكاتـــــير