غزة-نوى-شيرين خليفة:
تنهمك الشابة سحر وشاح "25 عامًا" في دق المسامير الصغيرة بتركيز شديد على لوحٍ خشبي ثم تبدأ بلفّ الخيطان الملوّنة بدقة بالغة على امتداد المسامير لترسم العام 2018 متخذة من رأس النسر رمزًا ومن علم فلسطين شعارًا، حتى تكتمل معها اللوحة الفنية بالكامل باستخدام المسامير والخيطان فقط، ضمن إبداع فني جديد.
وتتقن الشابة هادئة الملامح هذا الفن منذ عدة سنوات، وعلى الرغم من عدم دراستها للفنون الجميلة ولا حتى تدرّبها على أيدي رسامين مشهورين إلا أنها نجحت في إتقان هذا الشكل الإبداعي الذي اتخذت منه تحديًا ذاتيًا وأصرّت على التميّز فيه.
تقول وشاح -وهي خريجة تعليم أساسي:"لم أتعلم الفن ولكن منذ أيام الدراسة وأنا أمارس الرسم، لم يحالفني الحفظ في المشاركة بمسابقات ولكن عملت على تطوير قدراتي"، فقد كانت البداية مع سبورة المدرسة ثم دفاتر الرسم ورسوم الكرتون وشخصيات المسلسلات.
كبرت سحر وكبر معها حلم القلم، فاتجهت لرسم البورتريه (الشخصيات) والذي تعترف أنها لم تتقنه بالشكل الكامل بعد ولكنها تتمنى ذلك، ثم رسمت على الزجاج والرسم الهندية المعروفة باسم الماندالا، لتتخذ من كل هذه الرسوم ذات التقنيات المعقّدة وسيلة تؤنس بها وقتها.
بدأت سحر بنشر رسوماتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي دون أن تطوّر الموهبة إلى مشروع فهي ما زالت تمارس هوايتها بشكل شخصي دون مرسم أو حتى بيت مستقل، فهي متزوجة منذ عامين ولم تتمكن حتى اللحظة من اللحاق بزوجها الذي يعيش في الجزائر بسبب إغلاق المعابر وعدم حصولها على فيزا حتى الآن.
تقول سحر:"إغلاق المعبر مشكلة ولكن أيضًا نحن نعاني عدم قدرتي الحصول على فيزا من الجزائر، ورغم الحب الكبير الذي يحمله الشعب الجزائري للشعب الفلسطيني؛ إلا أن الفيزا إلى هناك صعبة جدًا ولا أدري لماذا".
تضيف سحر إنها تشعر بالندم لعدم دراستها الفنون الجميلة وقد زاد الوضع تعقيدًا بسبب عدم حصولها على وظيفة تمكنها من مواصلة الدراسة أو حتى شراء مستلزمات الفن الذي تتقنه وتطمح لتطويره، وحتى إذا التحقت بالجامعة فمن المحتمل أن تنجح في السفر فتنقطع عن الدراسة.
وتجد الشابة في الفن التشكيلي وسيلة تؤنس بها وحدتها وتحاول التغلب على واقع الانتظار المضني الذي تعيشه، وتتلقى في ذات الوقت الدعم الكبير من قبل والدها وزوجها المغترب وصديقاته ومتابعيها على الانستغرام الذي أحبوه إبداعها.
وتؤكد سحر إن حب الجمهور دفعها للاستمرار وعلى الرغم من أنها لا تحظى بأي مردود مالي لكنها ستواصل، وبمقارنة بسيطة بين الرسم بالمسامير والرسم باستخدام القلم تقول سحر إن القلم أسهل فالمسامير تحتاج إلى دقة عالية، وأي خطأ في دق المسمار بالمكان المحدد بالضبط يعني تلف اللوحة بالكامل ورمي الخشب الذي لن تتمكن من استخدامه فيا بعد.
صورة إبداعية للطفلة عهد التميمي زاوجت فيها سحر بين الرسم بالقلم وبالمسامير فخرجت بشكل كلاسيكي، تعلّق سحر على هذه الصورة بقولها :"حاولت الخروج على النمطية عبر مزاوجة الشكلين، وهنا أحاول الاستفادة من كل الأفكار التي أتلقاها من الجمهور، فمثلًا رسمة السيدة الفلسطينية التي ترتدي ثوبًا مطرزًا وتحمل فخارة اقترحها متابعيّ عبر الانستغرام وأنا لا أتردد بل أنفذ فورًا".
قبل أن تنهي سحر حديثها وعلى الرغم من ابتسامتها الواسعة الواثقة تنهدت بقوة وكأنها تحمل جبلًا على صدرها، فهي ما زالت تنتظر اللحظة التي تنتهي فيها أزمتها كعالقة لتتفرغ بشكل أفضل للفن التشكيلي، كما أنها ما زالت تطمح إلى دراسة الفن وتأسيس مرسمها الخاص وأيضًا عمل معرض يضم إبداعاتها من رسومات المسامير والخيطان.

































