هنا فلسطين المحتلّة.. بل تحديدًا هنا غزّة؛ حيث السخط على كلّ الأزمنة، إحدى عشر عامًا من الحصار، من الإغلاق، من إحكام سجن على مليونين إنسان، ومن الكبت! "افتحوا معبر رفح" إنها الجملة الأشهر على الإطلاق، صرخات لم تنفك عن مناجاة السّماء، فبحقّ السّماء افتحوا المعبر.. هل من مجيب؟ هل من أحد يسمعنا؟
قصّتين مختارتين: محمّد رمضان
إنّه الشاب محمّد رمضان 29 عامًا، مريض سرطان يقاوم الموت وحيدًا منذ أشهر. يحاول السرطان أن يفتك بجسده وبروحه، كما أفتك بجيبه من قبل، وأفتك بقربه من عائلته!
بدأت حكايته بالإصابة في المرض، ثمّ الطبيعي أن يلحق بمشوار السجناء في القطاع ومحاولتهم الفرار من القطاع. رحلة عصيبة في انتزاع رقم يحوّله إلى خارج مستشفيا غزّة، رحلة مريرة في الصرخات المدويّة "بدي أتعالج" ورحلة عظيمة بمتابعها ومشاقها برفقة سرطان لعين نحو مصر، وحيدًا، بقرارٍ من دول أبت أن تدعم وجود مرافق له!
يذهب محمّد كل يوم إلى المشفى بمفرده ليأخذ جرعة الكيماوي التي تسقطه على سريره هزيلًا متعبًا ومرهقًا لأيّام.. بمفرده، شاحب اللون وشارد الذهن، يتخيّل مفاجئة من الحياة بأن توجد له أخاه أمامه، يومًا ما، بينما يقاوم عدوّه الأوحد.. السرطان.
بالعودة إلى السجن أي (غزّة)، لم ييأس أشرف شقيق محمّد من المحاولة إلى انتزاع كرسي في باص ترحيلات يمرّ به من بوابتين، الأولى فلسطينيّة تدفعه إلى المصريّة، ولكن دون جدوى. أشرف لا يزال ممنوعًا من المرور، مجرّد المرور، دون أسباب واضحة أيضًا.
وأمام وخلف البوابتين، يحطّ الألم وتحطّ الوحدة براحتهما على الشّاب المريض، شعور يقتل ويفتك مرارًا وتكرارًا، فما بال العالم بما يفعل بالغزيّين! تساؤل يلازم محمّد الذي طعنه الحظ بأن أضاع جواز سفره الفلسطيني في لحظات هذيان وتيه تحت تأثير مخدر بينما همّ لمغادرة المستشفى وحيدًا.. ولاحقًا، لجأ إلى السفارة الفلسطينية ليستخرج جوازًا آخر إلا أنه غير قادر على تنفيذ ما طلب منه لاستخراج بدل فاقد وعليه الانتظار مدة العام إلى العام ونصف حسب ما أعلمته السفارة حتّى بات الوقت أحد أهم الأشياء التي لا يمتلكها محمّد.
القصّة الثانية: نغم جعرور
كان من المفترض أن تكون بين زميلاها في المدرسة، ولكنّ القدر رماها إلى بوابة صدئة مهترئة، ترحّب بالأفراد عبر لافتة كتب عليها "أهلا وسهلًا بكم في معبر رفح البرّي" وفي الحقيقة أنه لا أهلًا ولا سهلًا، وإنّما يا ويلكم من معبر رفح البرّي وهذا ما تعيشه نغم جعرور، الويل من المعبر..
نغم ذات الأعوام الثمانية، أصيبت بمرض القلب منذ ولادتها، تتفاقم حالتها الصحيّة إثر معاناتها من ثقب بالقلب وضيق بالصمام الرئوي، مما جعلها بحاجة ماسة لعملية جراحية كبيرة غير متوفرة بغزة، مع الأسف، رفضت إسرائيل السماح لها بالمرور عبر الأراضي الفلسطينية المحتلة للعلاج تسع مرّات متتالية، ومعبر رفح البرّي، بطبيعة وضعه المغلق يحول دون خروجها من اقطاع غزّة.
ودفعت مأساة هذه الطفلة والدتها إلى المشاركة في الاحتجاجات التي تُنظم باستمرار قبالة بوابة معبر رفح من الجانب الفلسطيني، للمطالبة بإنقاذ فلذة كبدها من موت محدق، في تساؤل ملؤه القهر والعجز واليأس: "إن لم يكن المرضى سببا لفتح المعبر فمتى سيفتح؟".
كم من مرّة يحتاج المرء عادةً أن يودّع ذويه قبل السفر؟ وأحيانًا لا يحتاج. الأمر بالتأكيد مختلف في غزّة، والسؤال الأصحّ هنا: كم من مرّة أحتاج فيها الذهاب والإياب من وإلى المعبر ثمّ أتصل بكم وأخبركم أنّني استطعت النجاة وسافرت؟ هذه هي المعجزة عند الغزيين.
قصّتين من بين نحو 25 ألف قصّة دوّنت أرقامها في سجلات المسافرين من معبر رفح البرّي الذي يقع في أقصى جنوب محافظة رفح على الحدود المصرية الفلسطينية.
وبحسب وزارة الداخلية والأمن الوطني، تفاصيل أيام الفتح و الاغلاق فإن عدد أيام فتح المعبر منذ بداية العام 2017 وحتى انتهاؤه بلغت20 يومًا غير متتاليات، وأغلق 341 يومًا، ليبلغ عدد المسافرين في العام المنصرم 2624 مسافرًا، وقدوم 3106 مسافرًا إلى القطاع، وإرجاع 203 من الذين كانوا مقرر أن يغادروا.
يُعدّ المنفذ الوحيد لقطاع غزة إلى العالم الخارجي بعيداً عن سلطات الاحتلال التي تحكم حصارها البري والبحري والجوي على القطاع، ويعمل بالشراكة بين الإدارتين الفلسطينية والمصرية، ويُشرف عليه من الجانب الفلسطيني هيئة المعابر والحدود التابعة لوزارة الداخلية والأمن الوطني.
خُصص معبر رفح لتنقل الأفراد فقط، إلا أنه يتم في بعض الأحيان إدخال المساعدات القادمة من الخارج وبعض مواد البناء من قبل السلطات المصرية.
ومن المفترض أن يقدم معبر رفح خدماته على مدار الساعة للمسافرين في الاتجاهين من وإلى قطاع غزة، إلا أنه نظراً للأوضاع الأمنية والسياسية الإقليمية تفتح السلطات المصرية المعبر على فترات متباعدة بشكل استثنائي أمام الحالات الإنسانية فقط، من المرضى والطلاب وحملة الجوازات الأجنبية والإقامات الخارجية.

























