شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 11 يوليو 2026م01:51 بتوقيت القدس

زاهدة في المناصب

شيماء مرزوق: الصحافة الاستقصائية مسؤولية ولا عودة للوراء

21 ديسمبر 2017 - 11:43
شيرين خليفة
شبكة نوى، فلسطينيات:

غزة-نوى:

حديثًا، فازت الصحافية المتميزة شيماء مرزوق بجائزة أمان للصحافة الاستقصائية، عن تحقيق حول موقع تل السكن الأثري جنوب مدينة غزة والذي تعرّض للتجريف على أيدي متنفذين، في قضية تعدّ من أسوأ مظاهر استغلال النفوذ كونها ضيّعت جزءًا مهمًا من تاريخ الشعب الفلسطيني.

التحقيق الذي حصدت بموجبه على الجائزة الأولى خلال عملها الصحفي؛ أثار لدى نشره في صحيفة الرسالة التي تعمل بها مرزوق ضجة وحرّك الرأي العام، فكما تؤكد مرزوق في حديثها لنوى أن توقيت النشر الذي تزامن مع تواصل التجريف ربما كان عاملًا رئيسيًا في فوزه، وعبّرت عن اعتزازها الشديد بالجائزة كون أمان مؤسسة لديها مصداقية ونزاهة عالية جدًا في منح الجوائز وهذا مبعث فخر لكل من يحصدها.

وحول تجربة إعداد هذا التحقيق الذي شاركها فيه زميلها محمود هنية، قالت مرزوق بعد أن رسمت ابتسامة هادئة، أن عملية إعداد التحقيق واجهت الكثير من المصاعب أبرزها محاولات التضليل التي ظهرت من قبل الشخصيات المتورطة في القضية، وحتى المتابعين من الصحفيين واجهوا صعوبة في التغطية نتيجة كثرة البيانات والتصريحات وتضاربها.

وأضافت أن هذا حرم الكثير من الناس فهم حقيقة ما جرى، فكثيرًا ما تم الادعاء أن القضية تم حلها، ولكن في الحقيقة أن التجريف متواصل، كما كانت هناك ادعاءات بأن ما يتم تجريفه هو محيط الموقع، ولكن الواقع أن التجريف يطال عمق التل، أزمة إضافية واجهت مرزوق أثناء الإعداد وهي تخوّف الكثير من الخبراء من إبداء رأيهم في القضية وتساءلت :"إذا هم خافوا فكيف سنحمي آثارنا".

 

ليس هذا هو التحقيق الاستقصائي الأول لمرزوق، فسبق وأن أعدّت سلسلة من التحقيقات المهمة حول محطة توليد الكهرباء ونبش قبور الموتى وتحقيقات اقتصادية حول آلية روبرت سيري لإدخال مواد البناء إلى قطاع غزة وكذلك الامتيازات على رواتب كبار موظفي السلطة الفلسطينية.

تقول مرزوق :"تحقيق نبش القبور أثّر في الناس لأنه إنساني جدًا، وكانت فيه مشاهد مؤلمة، التحقيقات الأخرى ربما أكثر تخصصًا في الجانب الاقتصادي، فقد اهتم بها الاقتصاديون، ولكن موضوع تل السكن أثار ضجة وحرّك الشارع وتوقيت نشره كان مهمًا لهذا حصد كل هذا الزخم".

تؤمن مرزوق أن تجربة العمل الصحفي تراكمية لا يمكن فصل مراحلها، فكلها تشكّل هوية وتجربة الصحفي، فهي بدأت بالعمل لدى صحيفة الرسالة عام 2007 عقب تخرجها، وعكفت منذ ذلك الوقت على إعداد التحقيقات الصحفية وإن لم تصل إلى مستوى جودة التحقيقات الاستقصائية التي تجريها حاليًا.

حول تجربتها في التحقيقات تقول مرزوق :"حين درست الصحافة عام 2003 لم يخطر ببالي موضوع التحقيقات الاستقصائية، وحتى عند دراسة مادة التحقيقات عرفناها على أنها ذلك الفن العميق الذي يبحث في قضايا معقدة"، وتكمل بأن للتحقيق الصحفي هالة وهيبة لا يتقنه إلا من وصل إلى مرحلة مهمة من إجادة العمل الصحفي.

وتضيف مرزوق إنها منذ عملت في الرسالة كانت تعدّ تحقيقات مهمة قبل أن نعرف مفهوم الصحافة الاستقصائية، وتتابع :"ما جعلني أمارسه هو أن الرسالة منذ سنوات تولي اهتمامًا كبيرًا بهذا الفن، وتدعم الصحفي حين يعكف على إعداد تحقيق".

وتوضح أنها حين عملت على تحقيق تل السكن أعفيت هي وزميلها محمود هنية من بقية المهام لمدة شهر ونصف تقريبًا وكانت إدارة الصحيفة تتابع معهم أولًا بأول، وهذا بدوره يسهّل على الصحفي عمله ويشكّل دعمًا كبيرًا له، فدور المؤسسة مهم.

لكن مرزوق تؤمن بأن السمات الشخصية للصحفي تلعب دورًا مهمًا في تشكيل شخصيته المهنية، فالقوي يستطيع المواصلة، أما من يضعف فبعد إنتاجه لأول تحقيق ربما لن يكمل إذا واجه مشاكل وهذا متوقع في عمل الصحافة الاستقصائية.

الصحفية مرزوق تتميز أيضًا بكتابة معمقة للتقارير السياسية، إذ تبرز شخصيتها الملمّة بالكثير من تفاصيل العمل السياسي، وهو ما جعل لكتابتها ميزة خاصة، حول ذلك تقول :"الموضوع السياسي يهمني، تستهويني الأمور المتعلقة بالتاريخ ومجريات الأحداث، عادة البدايات تكون مؤثرة، دخلت الجامعة عام 2003 وتخرجت 2007، وعايشت الأحداث التي كانت تمر ولكنها تحفر في الوعي بعمق".

لكن الواقع أن بداية تكوين الشخصية المهنية لشيماء يعود إلى العام 2000 حين اندلعت انتفاضة الأقصى، وبدأت بمتابعة مشاهد الدمار واختلط الأمر هل نحن أمام سلام ودولة أم أمام مقاومة لاسترجاع الحقوق، وسريعًا كما تؤكد شيماء بدأت سلسلة الاغتيالات التي طالت صف القيادات الأول، اسماعيل أبو شنب والشيخ أحمد ياسين والرنتيسي ثم أبو علي مصطفى وأبو عمار، وانتخاب الرئيس محمود عباس، حالة الفلتان الأمني، انقلاب النظام السياسي عقب انتخابات 2006 ثم الزلزال الكبير ممثلًا في الانقسام.

شيماء إذن ابنة هذه المرحلة الصعبة المعقدة بكل تفاصيلها المرهقة، فلا عجب أن يتشكّل لديها كل هذا الوعي بضرورة أن تكون جزءًا من توضيح الصورة وليست متلقيًا فقط،  لهذا خاضت كل هذه التجارب دون تردد وبسرعة كبيرة.

ورغم أن شيماء لم يخطر ببالها حين أعدت التحقيق أن يحصل على الجائزة، لكن قدّرت ذلك جدًا، وعدّته تشجيعًا إضافيًا لها ولغيرها من الصحفيين، وفي ذات الوقت اعتبرت النجاح مسؤولية، فلا يجب عليها العودة للوراء بل أن يتوجّب أن تنتج تحقيقات على مستوى من الجودة.

ورغم ذلك فشيماء لا تطمح لأي منصب تحريري فكما تقول :"المناصب الإدارية تقتل الصحفي وأنا أود البقاء في الميدان"، موضحة أن الرسالة لديها مجلس تحرير وهي وباقي زميلاتها عضوات فيه بالتالي يشاركن فعليًا في صناعة القرار التحريري دون الحاجة لأي منصب إداري.

المفاجأة الأخرى أن شيماء لا تطمح لأي منصب أكاديمي أو حتى شهادة عليا وعدّت أن التجربة الحقيقية هي للميدان، مضيفة :"لا  أسعى للعمل الأكاديمي، أفضَل العمل التحريري أكثر، وأعتمد على زملائي من الباحثين أن يقدموا ملاحظاتهم أو توصياتهم وكلنا يكمل عمل الآخر".

شيماء أم لأربعة أبناء، تبتسم بشدة وهي تقول :"أن توائم المرأة بين عملها وأطفالها هذا صعب، ولنضيف إلى كلمة صعب عشرة أضعافها عندما نقول امرأة صحافية"، لكنها تضيف أن كل هذه المصاعب يمكن تذليلها مع وجود عائلة داعمة وزوج مساند إلا أن الفضل في نجاحها يعود لأمها وزوجها.

كاريكاتـــــير