غزة - نوى
"القدس أرضنا، مش أرضهم وبدي أدافع عنها بدمي وروحي" كانت هذه آخر الكلمات التي تلفّظ فيها ابراهيم أبو ثريا 29 عامًا في إحدى المقابلات التليفزيونيًّة قُبيل ذهابه للمواجهات على الحدود الشرقية لقطاع غزة.
ابراهيم الذي انطلق بنصف جسد على كرسيه المتحرك في الخامس عشر من كانون الأول / ديسمبر من بين أزقة مخيم الشاطئ حيث يسكن نحو الحدود مع الاحتلال، اتجه للدفاع عن عاصمته الفلسطينيّة بأبسط الإمكانات، رافضًا قرار الرئيس الأمريكي ترامب بإعلان القدس المحتلة عاصمة لإسرائيل، حتى عاد شهيدًا.
"ضربه الجنود في مقتل، في وسط رأسه برصاصة لعينة، قتل إثرها على الفور، هكذا بدا الجندي مهووس بدمه، مهووس بقتل الجريح الثائر".. شهادة أحد رفاق المواجهات.
إنه ليس المشهد الأول، فمن لا يذكر محمد الدرة الذي قتلته سابقًا رصاصة قناص اسرائيلي في الثلاثين من سبتمبر من العام 2000، في اليوم الثاني من انتفاضة الأقصى، بينما كان بين أحضان والده محتميًا بحجر اسمنتي.
فارق ابراهيم المقعد الحياة لكن لم تفارق قضيته الرأي العام الفلسطيني والعربي، إذ لم تكن تلك التجربة النضالية الأولى للمقعد ابراهيم، فسابقًا تعرض لقصف مروحي إسرائيلي استهدفه برفقة أصدقائه في أبريل/نيسان 2008 في شرق مخيم البريج وسط غزة، حيث فقد ساقيه واستشهد سبعة من مرافقيه.
ورغم أنه لا يتنقل سوى على كرسيه المتحرك، لم يتوان للحظة عن المشاركة في قطاع غزة، بالفعاليات الاحتجاجية والمظاهرات المناهضة الاحتلال الإسرائيلي، غير أنه ابن عائلة ميسورة لم يكن سواه المعيل الوحيد لها.
فجر استهداف الثريا غضب رواد مواقع التواصل الاجتماعي متضامنين مع قضيته ومستنكرين ما فعله الإسرائيليين ضده، تداولوا له مقاطع فيديو عن حياته التي عاشها بشقاء في مخيّمه، فكان يعمل أحيانا كبائع للحلوى والسكاكر عبر مفترقات غزة وتارة أخرى يمسح السيارات، اضافة لعمله كصيّاد يحاول الحصول على مصدر رزق يعيله وعائلته.
علق الصحافي الأردني ضرغام عوني في صفحته عبر فيس بوك على قضية الثريا قائلا: "بشموخك أنت صفعت رقاب المهزومين، والمنتظرين بيأس عود صلاح الدين، كنت الأسطورة؛ بل كن ابراهيم. ونشر وسم ابراهيم أبو الثريا سيكون أيقونة الانتفاضة الثالثة".
فيما نشر الكاتب الاعلامي والباحث في قضايا الشباب سامي عكيلة منشور عبر صفحته فيس بوك متحدثا فيه: "كرسيك المتحرك اختصر المدى، وطوى بك الآفاق والأزمان.. معك استلذّ الموت صار فيه وفاؤه، مثلا وصار إباؤه عنوانًا".
وقال الحقوقي عبد القادر جرادة مستنكرا مقتل الثريا: "إن جريمة قتل الشهيد المقعد، ابراهيم أبو الثريا، جريمة متكاملة الأركان؛ يسيرة الاثبات ضد القاتل ومن شاركه من القادة والضباط".
وأضاف متسائلًا هل ستتم ملاحقة أولئك المتهمين؟
وتابع قد أصبح عمر المحكمة الجنائية الدولية( 15) عامًا ولم ولن تقوم بملاحقة أي من المتهمين يقتل الفلسطينيين دون حق.
في الوقت ذاته تساءل الكاتب في الصحف العبرية، "جدعون ليفي"، عن ردة فعل الجيش الإسرائيلي، لو كانت الصورة معكوسة وقتل قناص فلسطيني معاقاً إسرائيلياً على الحدود مع غزة، كما استهداف قناص إسرائيلي أول أمس الجمعة، الشاب المقعد إبراهيم أبو ثريا، شرق غزة.
وتابع ليفي، لو حدث معكوسًا ما حدث لرأينا عجائب من الردود الإسرائيلية سواءً المنددة بالجريمة النكراء أو رد الجيش العنيف داخل القطاع وكم من الدماء كانت ستسفك في سبيل الرد على قتله.
وتحدث ليفي عن أن الحياة في غزة تحولت إلى جحيم لا يطاق بعد أن تحولت لسجن كبير.
وقال الكاتب في الصحيفة "جدعون ليفي" إن مقتل أبو ثريا لا يكاد يذكر في الإعلام الإسرائيلي كما لم يصدر أي تعليق إسرائيلي رسمي على الحدث وكأنه أمر طبيعي وليس جريمة.
وأضاف ليفي أنه لم يكن لأبو ثريا قدمين ليصوب عليهما القناص، وبالتالي فقد اختار رأسه هدفاً لرصاصته مع أنه كان يعرف بأن بفعلته يعدم مقعدًا لا يشكل خطورة على الأمن الإسرائيلي.
تحدى ابراهيم اعاقته وعدوه الذي لم يرق له أن يراه مناهضًا للدفاع عن القدس، مات وحلق كطائر نورس حرًا في السماء، وبقي العلم الفلسطيني الذي غطى به شاهدًا على ثورته.
























