غزة-نوى:
"مائة عام من الظلم التاريخي، يسقط وعد بلفور"، شعار رفعه عاليًا الطفل الفلسطيني محمد النجار "13 عامًا" خلال مشاركته في مسيرة جماهيرية انطلقت اليوم في مدينة غزة تنديدًا بوعد بلفور المشؤوم في مئويته، والذي وصفه المؤرخون بأنه وعد من لا يملك لمن لا يستحق.
يقول الطفل أحمد والذي كان يشارك الجماهير الهتاف :"وعد بلفور كان قبل مائة عام، ولكننا أصبحنا بسببه لاجئين حتى الآن، بريطانيا ارتكبت جريمة بحقنا وجعلتنا مشتتين نعيش في المخيمات"، ويعرف أحمد على صغر سنه كما غيره من الأطفال أن لهم أراضٍ احتلتها عصابات الاحتلال عام 1948 ويؤمنون أنهم حتمًا إلى أراضيهم عائدون، هكذا كان يردد الهتافات هو وزملاؤه ممن شاركوا في المسيرات.
وعد بلفور هو اسم تصريح وزير الخارجية البريطاني ارثر بلفور عام 1917 بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين والذي أرسله إلى صديقه اليهودي روتشيلد، ولم تكتف بريطانيا بهذا الوعد بل إنها سهّلت وصول اليهود إلى فلسطين أثناء الانتداب البريطاني وعلى مدار 30 عامًا حتى قيام ما عُرف لاحقًا بدولة إسرائيل بعد تدمير آلاف المدن والقرى الفسلطينية وقتل آلاف الفلسطينيين.

في المسيرة التي خرجت اليوم ندد المشاركون بموقف بريطانيا التي لم تعتذر عن هذا الخطأ التاريخي والذي وصفوه بالجريمة، ورددوا الهتافات الرافضة للاعتراف لليهود بأي شبر على ارض فلسطين التاريخية، مطالبين بريطانيا بالاعتذار وتعويض الشعب الفلسطيني عما لحق به من عذابات.
تقول الناشطة السياسية هدى عليان إن هذا الوعد المرفوض من قبل الشعب الفلسطيني هو أبشع انتهاك ارتكب بحقنا، فقد تسبب في تشريد الفلسطينيين وتوزيعهم على دول الشتات، والعالم بأسره وليس بريطانيا فقط يتحمل مسؤولية إنهاء معاناة الشعب الفلسطيني.
وتضيف عليان :"بريطانيا مطالبة بالاعتذار، ودعم حقنا في الحصول على دولة كاملة السيادة وتعويض اللاجئين"، واعتبرت أن الدبلوماسية الفلسطينية أيضًا مطالبة باتخاذ المزيد من الخطوات الضاغطة على المملكة للاعتراف بالخطأ التاريخي الذي ارتكبته.
اما المواطن اسماعيل الناظر وهو رئيس رابطة المقاتلين القدامى، فقد حضر للمشاركة برفقة عشرات الرجال من كبار السن، وهم أعضاء الرابطة الذين ناضلوا ضد الاحتلال الإسرائيلي منذ البداية، فيقول :"بلفور منح اليهود أرضًا على حساب شعبنا دون وجه حق، بريطانيا عليها أن تخجل مما حدث لا ان تحتفل وتشرك نتنياهو في الاحتفالات، إنها مطالبة بالاعتذار".

أما المواطنة سميرة عطية "43 عامًا" والتي شاركت في المسيرات، فأكدت أن الشعب الفلسطيني ما زال يمارس النضال من اجل حق العودة، فكل مواطن يعرف بلدته الأصلية منذ الصغر، وهذا نغرسه في عقول وقلوب الأبناء منذ الطفولة، فمن يُولد ويعيش في غزة مثلًا يعرف اسم بلدته الاصلية ويراها على الخريطة ويسمع من الاكبر سنًا تفاصيل الحياة فيها.
وتؤكد السيدة سميرة إنه لولا وعد بلفور وتدخّل بريطانيا واستقوائها على الشعب الفلسطيني لما تمكّن اليهود من إنشاء دولتهم المزعومة التي ما زالت تمارس الجرائم بحقنا، بل وتحظى حتى بحماية الدولة الكبرى حتى الآن.

أما الباحث في الشأن السياسي د.عماد محسن فقال إن إعلان بلفور لم يكن مجرد وعد، بل كان عبارة عن التزام وتعهد نفذته بريطانيا بالفعل بعيد احتلالها فلسطين، ووضعته كسياسة دائمة لحكومة الانتداب حتى تحقق للصهاينة التمكين على كل المستويات، وأتاح ذلك انشاء دولتهم في نهاية المطاف.
وأكد أن السياسة الفلسطينية المتبعة اليوم لاستعادة الحقوق تقوم على دبلوماسية "الاستجداء"، ومنهجية "التظلم"، بينما قامت العلاقات الدولية على الدوام على بناء التحالفات القوية وسياسة المصالح، وتوظيفها في خدمة السياسية، لذا من الواجب على الفلسطينيين أن يتوقفوا فوراً عن النواح ومناجاة الضمير العالمي، لأن هذا لن يؤدي إلى تحصيل الحقوق، والأصل هنا هو البحث في خيارات جديدة تقوم على التمكين البنيوي للمجتمع الفلسطيني، ومن ثم الذهاب باتجاه بناء جبهة صلبة لمواجهة مخططات إسرائيل، ولاحقاً الاعتماد الكلي على طاقة الفلسطينيين أنفسهم في مشروع التحرير.
من جانبه تحدث المؤرخ د. سامي أحمد ان وعد بلفور كان أكثر من مجرد رسالة، فهو تصريح رسمي من وزير خارجية مكلف من رئيس الوزراء البريطاني، فهم انتدبوا على فلسطين بعد هذا الوعد واستمرت بريطانيا على مدار 30 عامًا في التحضير والتأسيس ووضع البنية التحتية في فلسطين كلها بيد اليهود، أيضًا عام 1922 وضعت عصبة الأمم صك الانتداب، فهي عملية رسمية صدرت عن المملكة وليست من قبل شخص.
ويضيف أحمد إن بريطانيا أسهمت في سلب أراضي الشعب الفلسطيني وتشريده، وتهديم مدنهم وقراهم، فنحن ما زلنا نعاني حتى اليوم من بريطانيا الانتدابية، إلا أنها لا تعتذر فهي تستخف بالعرب ولا تقيم لهم حسابًا، لأننا مشتتين ومتفرقين، وهي ما زالت في علاقة عضوية مع الحركة الصهيونية،
ويوضح أحمد إن الاعتذار يفيد الشعب الفلسطيني كثيرًا، فهو يلزم بريطانيا بالتعويض عما لحق بالشعب الفلسطيني من خسائر، ويضعف الوضع القانوني للدولة اليهودية، ما حدث خطأ تاريخي ارتكبته بريطانيا وهي مسؤولة تاريخيًا وقانونيًا عما لحق بنا، مضيفًا إن الجهود الدبلوماسية المبذولة جيدة، ووضعت الكثير من المقاط لصالح الشعب الفلسطيني، ولكن نحتاج المزيد من أجل الضغط على بريطانيا.
إن ما يعانيه الشعب الفلسطيني اليوم من اعتداءات إسرائيلية متكررة وحرمان من أبسط الحقوق هو نتائج تراكمية لكل ما حدث منذ ذلك الوعد المشؤوم، واقع يفرض على كل فئات المجتمع الفلسطيني التضافر وتفعيل نقاباته وسفاراته من أجل الضغط على بريطانيا من للاعتذار وإلزامها باتخاذ خطوات سياسية نصرة لمظلمة شعبنا.




























