غزة-نوى:
عندما اعتقلت الشرطة الفلسطينية في قطاع غزة الصحفي محمد البرعي في إبريل من العام الجاري؛ ظن أنه سيحتجز في مكان لائق نظرًا لطبيعة التهمة التي اعتقل بسببها والمتعلقة بالنشر، لكنه وجد نفسه داخل نظارة "غرفة توقيف" مكتظة بالمحتجزين على خلفية تهم مختلفة.
يقول البرعي لنوى :"آخر ما توقعته أن أحتجز وسط كوكتيل ما بين متعاطي المخدرات والذمم المالية، شجار عائلي، وغيرها، وفئات عمرية متباينة"، وحسب البرعي فإن النظارة كانت ما بين 6*13 متر، يحتجز فيها نحو 40 نزيلًا، بعضهم موقوف منذ عدة شهور.
ويضيف إنه سمع خلال اعتقاله قصص غالبية النزلاء، ورغم كون السجن تأديب وتهذيب، إلا أن ما يجري هو المزيد من التعارف، بل بعضهم يتفقوا كيف سيتقابلوا بعد الخروج من السجن، لإتمام اتفاقات، كانت بالنسبة للبرعي يومان فقط تعلم خلالهما ما لم يتعلمه على مدار 45 عامًا حسب وصفه.
ما وصفه البرعي هو جزء مما يجري في النظارات التي يفترض حسب القانون ألا يتم الاحتجاز فيها لأكثر من 24 ساعة، ثم تحويل كل نزيل إلى الجهة المختصة، لكن وحسب الواقع فإن الكثير من النظارات تحولت إلى مراكز لقضاء المحكوميات، إضافة إلى الاكتظاظ الشديد وحتى وجود أحداث أحيانًا داخل السجون، وعدم الفصل بين النزلاء.
واقع بائس يؤكده المحامي بكر التركماني، منسق وحدة المظالم في الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، فالنظارة حسب القانون هي انتظار لمدة محددة لا تتجاوز 24 ساعة، ثم يتم تحويل النزيل إلى مركز تأهيل وإصلاح، بالتالي هي من حيث المبدأ غير مهيأة موضوعيًا للبقاء فيها مدة طويلة، فبينما لا يجب أن يتجاوز العدد 10-15 نزيلًا يتم التجاوز ويصل أحيانًا إلى مائة.
ويضيف التركماني أن الاحتجاز الذي يحدث في النظارات في قطاع غزة مخالف للقانون، كما أن النظارات تعاني الاكتظاظ وعدم الفصل بين النزلاء، وهذا يتنافى مع المبدأ الذي من أجله وُجد الحبس، ويتحدث التركماني عن غياب التأهيل بقوله :" الممكن أن يدخل شخص متعاطي مخدرات مثلًا ثم يخرج تاجر".
كما انتقد نقص الخدمات الطبية وهذا كله ينعكس على ظروف الاحتجاز خاصة بعد أن أصبحت النظارات أماكن لتنفيذ الأحكام إضافة إلى احتجاز أحداث مع بالغين، كما حدث مع الطفل محمد سلمان "16 عامًا" والذي توفي في مركز شرطة بيت لاهيا مؤخرًا، وبرروا وجوده بأن مؤسسة الربيع تعاني الاكتظاظ ولكن هذا ليس مبررًا على الإطلاق لاحتجاز طفل بين بالغين.
الشرطة الفلسطينية من طرفها لم تنفِ ما ورد من شكاوي بخصوص اكتظاظ النظارات والواقع البائس فيها، ويؤكد المقدم أيمن البطنيجي مدير المكتب الإعلامي للشرطة الفلسطينية إن هذه قضية النظارات من المشاكل الشائكة التي تسبب إحراجًا شديدًا للشرطة الفلسطينية.
وأقرّ بأن النظارات تعاني من الاكتظاظ الشديد وقضاء بعض النزلاء محكومياتهم داخلها، وأن هذا فيه تجاوز للقانون فالأصل ألا يبقى النزيل في النظارة لأكثر من 48 ساعة ثم يتم تحويله إلى مراكز الإصلاح والتأهيل، وأضاف البطنيجي أنه يتم حاليًا بناء مبنى كبير للموقوفين في مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، وهذا سيكون مهيئًا لاستقبال 5000 نزيل.
وعزا البطنيجي سبب هذه التجاوزات إلى عدم وجود مركز التوقيف الكبير، وهدم العديد من المواقع خلال الحروب الإسرائيلية الثلاث على قطاع غزة، وهذا سبب الضغط على النظارات، ووجود تجاوزات الأصل ألا تكون.
أما عدم الفصل بين النزلاء فقال أن هذا عادة يكون في السجون الكبيرة ذات الأقسام والمهاجع المختلفة، لكن مراكز الشرطة لا يوجد بها إلا نظارة أو نظارتين على أبعد تقدير، موضحًا أن غالبيتها يوجد بها أماكن للفسحة، وإن كان بعضها لا يتوفر فيها مثل مركز شرطة الشيخ رضوان ومركز شرطة الشاطىء.
ونفى أيضًا أنه يتم احتجاز أحداث داخل النظارات، معتبرًا قضية الطفل محمد سلمان "15عامًا" الذي توفي في مركز شرطة بيت لاهيا حدثًا منفردًا ولكن تجاوز، وناشد البطنيجي المؤسسات الداعمة توجيه الدعم لبناء مركز توقيف كبير يحل هذه المشكلة، مع الأمل بأن يتم إعادة ترتيب أوضاع النظارات بعد المصالحة وحل هذه المشكلة بشكل جوهري.
لكن الواقع يقول أن المشكلة ما زالت قائمة وأن التمويل لا يذهب بشكل عام لصالح بناء مركز توقيف، وهذا يتطلب من السلطة الفلسطينية توجيه اهتمام حقيقي لأوضاع النظارات ليس فقط على مستوى إعادة تأهيلها وتوسيعها بل وترتيب الأوضاع القانونية للموقوفين داخلها.
























