غزة-نوى:
توقف تجريف الموقع الأثري تل السكن بعد أن قضى على جزءٍ مهم من معالمه الأثرية وبقي فقط 32 دونمًا، تسعى وزارة السياحة والآثار كما قالت إلى الحفاظ عليها، وبقي السؤال المعلّق مَن وقّع الموافقة على تجريف هذا الموقع الكنعاني الذي يعود إلى 3500 ق.م. كما يؤكد خبراء الآثار في قطاع غزة؟ فبينما تنفي وزارة السياحة موافقتها، تصرّ سلطة الأراضي على أنهم وافقوا!!!
مجموعة من أساتذة التاريخ والآثار في قطاع غزة، أثارت القضية حفيظتهم فأصدروا بتاريخ 14 أكتوبر بيانًا توضيحيًا أكدوا فيه أهمية الموقع وأنه مسجل في بلدية الزهراء كموقع أثري، ونفوا في ذات الوقت موافقتهم على مواصلة البناء فيه موضحين أنهم ناشدوا رئيس اللجنة الإدارية والمجلس التشريعي، إلا أنه تم تشكيل لجنة من غير المختصين أوصت باستمرار التجريف.
بداية الحكاية
بدأت حكاية تل الموقع الأثري تل السكن -الواقع إلى الجنوب الغربي من مدينة غزة- عندما تم تخصيص 12 دونمًا من أراضيه لصالح موظفين "كبار" كتعويض عن مستحقاتهم المالية إذ أنهم يتلقون منذ عام 2013 نصف راتب.
يقول رئيس سلطة الأراضي كامل أبو ماضي أنهم قاموا بالتجريف في المكان بناء على قرار صادر عن اللجنة الإدارية -التي كانت بمثابة مجلس الوزراء حسب توصيفه- ولجنة الأراضي العليا بتخصيص هذه الأراضي للموظفين، مضيفًا إنه بلغهم اعتراض وزارة السياحة، وتم تشكيل لجنة من الحكم المحلي وأفادتنا بأنه يمكن مواصلة العمل، وبعد 6-8 شهور واصلوا التجريف، متسائلًا لماذا صمتت وزارة السياحة كل هذه المدة ثم عادت لتعترض؟
وبيّن أبو ماضي أنه تم تخصيص 32 دونمًا كموقع أثري ومنع الدخول إليها باعتبارها حرم أثري، وأنهم تابعوا مع الجهات المختصة فهو –حسب تأكيده- ليس بمحقق تاريخي ليعرف هذه المسائل وإنما يعتمد ما تقوله اللجان الفنية.
تشكّلت في أغسطس لجنة ضمت سلطة الأراضي ووزارة الإسكان ووزارة السياحة ومندوب عن الموظفين، تؤكد سلطة الأراضي أن هذه اللجنة أعطت الموافقة بمواصلة لعمل، بينما تنفي وزارة السياحة ذلك، والحقيقة أن كل من فيها ليس بينهم خبير آثار واحد، فحتى مندوب وزارة السياحة أخطأ بمنح اللجنة إحداثيات خاطئة.
هنا يؤكد أبو ماضي أن وزارة السياحة كانت ممثلة في هذه اللجنة بعضو وكان لهم الحرية في اختيار من يمثلهم، إلا أن مدير عام الآثار بوزارة الآثار جمال أبو ريدة قال بأن هذا الكلام مردود!!، فمعالم تل السكن واضحة ومعروف أنه موقع أثري ومصنّف وموجود في المخطط الهيكلي لقطاع غزة، فكيف تجهل سلطة الأراضي ذلك؟ هل يعقل أنها لا تعلم؟
أبو ريدة أكد أن الوزارة اعترضت على تجريف الموقع ورفعت كتبًا رسمية لكل الجهات المعنية بضرورة وقفه على اعتبار أن الموقع أثري ومملوك لوزارة السياحة والآثار وما يجري غير قانوني وما حدث هو فرض أمر واقع.
وأضاف أن الموقع مملوك لوزارة السياحة منذ عودة السلطة الوطنية الفلسطينية وهو مسجل كموقع أثري منذ العهد المصري، وهو موقع مهم عمره 5000، وحمّل المسؤولية لمن قام بالتجريف، إلا أن أبو ماضي يتساءل :"وهل ملفاتي هي ذات ملفات اليونسكو والوزارة؟ لماذا صمتوا 8 شهور؟ لماذا لم يطعنوا؟ هل كنت سأخالف أمرًا قضائيًا لو لجأوا للقضاء؟
فوق القانون
وحول إن كان هناك إجراءات قانونية من المتوقع اتخاذها مستقبلًا بحق التعدّي على الموقع الأثري وإلغاء تخصيص الأراضي، قال أبو ريدة :" هذا دور مجلس الوزراء الفلسطيني بإلغاء القرار فهو باطل، فالأرض مملوكة لوزارة السياحة وحتى أنا لا أملك إعطاء شيء للسلطة"، وأضاف :"نعكف على إعداد جدول لتأمين الموقع ونزل موظفونا لوضع إحداثيات للموقع لتسييج المساحة المتبقية، فسلطة الارضي تستظل بمجلس الوزراء".
الخبراء تداعوا سريعًا لتقييم خطورة ما حدث، يقول د.أيمن حسونة أستاذ علم الآثار والتاريخ بالجامعة الإسلامية، أن هذ القضية أثيرت منذ عدة أشهر، ولكن لم يتوقف التجريف، محذرًا من خطورة الموضوع، إذ تدخل الباحثون لإعطاء رأيهم في الموضوع، فالموقع تاريخي وأثري ويحتوي على آثار تعود للعصر البرونزي ويوثّق لأول استيطان بشري مدني في هذه المنطقة، ويوثق لتحول الاستيطان البشري إلى مدن محاطة بأسوار.
وقال حسونة إنهم وجهوا رسالة للجنة الإدارية وأوضحوا لهم أهمية الموقع، فالباحثين ليسوا ضد الموظفين إنما هم يبحثون عن حماية الآثار، منوهًا إلى أن هذا الموقع تم سابقًا تجريف جزء منه عندما بنيت جامعة فلسطين.
واستفاض حسونة في شرح التطورات التاريخية التي تعاقبت على هذه المنطقة، وشرح أهميته من الناحية التاريخية وأهمية الآثار الموجودة بداخله، نافيًا كل ما ورد في بيان النيابة من أنهم كباحثين وافقوا على استكمال البناء وإنما هم رفضوا ذلك تمامًا وكذلك فعل عالم الآثار الفرنسي جون باتسيت الذي استدعوه من أجل هذه القضية وأكد أن المنطقة بأكملها أثرية سواء التي تم تجريفها أو ما تبقى منها.
إلا أن أبو ماضي أصرّ على الاعتراض على ما يقوله الخبير الفرنسي وقال هو أجنبي ربما له أهداف سياسية، وطرح أمثلة من العام 2006 على موافقة السلطة الفلسطينية تخصيص نحو30 دونمًا من المنطقة لصالح جامعة وبرجين سكنيين، فلماذا الاعتراض الآن؟
كل ما حدث يؤكد أن قضية التعدي على موقع تلّ السكن الأثري الذي كانت مساحته الأصلية نحو 83 دونمًا يعود إلى العام 1997، حين تم بناء برجين سكنيين، ثم بناء جامعة في المكان، هذه التجاوزات وإن كانت لا تمثّل مبررًا للمزيد من التعديات إلا أنها تطرح بقوة ضرورة التحقيق الجدي في كل ما جرى بحق موقع أثري يمثّل أول استيطان بشري مدني في غزة.
























