غزة-نوى-شيرين خليفة:
رفعت المعلمّة وفاء قنديل كفيّها إلى السماء صارخة :"يا الله؛ 25 عامًا في قطاع التعليم لم أعاني مثل هذه المعاناة للسيطرة على التلاميذ"، ثم عدّلت من وقفتها لتناشد الطلاب من جديد ودون جدوى أن يهدأوا كي تتمكن من مواصلة الحصة.
ولا تلقي معلمة المرحلة الابتدائية في مدرسة أمير المنسي الابتدائية الحكومية بمدينة غزة؛ باللوم على طلاب الصف الثاني، فكما تؤكد، اكتظاظ الفصل بـ 56 طالبًا كفيل بأن يُحدث كل هذه الضجة، مضيفة أن هذا العدد يعيق قدرتها على تصحيح كامل الدفاتر للطلبة والتمييز بين قدراتهم على الاستيعاب وهذا ما لا ترضاه خاصة وهم في مرحلة التأسيس.
اكتظاظ
الحال بدا متشابهًا في غالبية المدارس في قطاع غزة، ليس فقط في المدارس الحكومية، بل الأمر ينسحب حتى على مدارس وكالة الغوث "أونروا"، والتي باتت تسجل هي أيضًا أعدادًا مرتفعة من الطلاب داخل الفصل الدراسي، وخاصة في الأعوام الأخيرة، فالأعداد ما بين الأربعينات والخمسينات بدت ظاهرة، ما يهدد المسيرة التعليمية بشكل حقيقي.
تقول السيدة فلسطين البسيوني والدة الطفلة لمى في أحد مدارس وكالة الغوث إنها أيضًا باتت تعاني من تعليم ابنتها التي تدرس في الصف الثالث الابتدائي، مضيفة إنها اختارت الوكالة لأن المتعارف عليه أن مستوى التعليمي فيها أفضل، لكنها تلحظ أن الأمور باتت متشابهة بين الوكالة والحكومة.
اكتظاظ الفصول الدراسية حال دون قدرة المعلمين والمعلمات على تفقّد الطلبة بشكل صحيح، ومتابعة تحصيلهم الدراسي، ما ألقى بالمزيد من العبء على كاهل الأسر الفلسطينية، خاصة في ظل الاستناد إلى منهج جديد لم يتعوّده الأهالي.
تقول السيدة فاتن مفيد إن ابنها يزن ابن الصف الثاني الابتدائي يعود من مدرسته دون استيعاب كامل ما تلقه، محذّرة من خطورة ذلك على مستقبله خاصة وأنه طالب ذكي، وتضيف إنها تضطر لإفراد جزء كبير من وقتها لتعليمه، وتتساءل :"ماذا سيكون الحال عندما يكبر ويدخل باقي إخوته المدرسة؟ ربما أضطر حينها للدروس الخصوصي التي تزيد العبء علينا".
حسب توثيق مركز الميزان لحقوق الإنسان، يوجد في قطاع غزة 271 مبنى لمدراس حكومية و 392 مدرسة (أي مدارس تعمل بنظام الفترتين)، تضم 6401 من الشعب، بينما يوجد لوكالة الغوث 171 مبنى و 276 مدرسة و 6653 من الشعب، وحتى هذه الزيادة هي على حساب المساحات الممنوحة للطلبة داخل المدرسة.
هذا الواقع ربما يفسّر غياب فلسطين عن مؤشر جودة التعليم للعام 2017 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، هذا المؤشر الذي يستند إلى 12 معيارًا أهمها التعليم الأساسي، وهو الذي نعاني فيه من الكثافة الطلابية.
نقص تمويل
مركز الميزان لحقوق الإنسان تابع ظاهرة الكثافة الطلابية، إذ يؤكد الباحث في المركز حسين حماد إن الكثافة طلابية باتت ظاهرة مقلقة في المدارس الفلسطينية، فالحصة التي لا تتجاوز 40 دقيقة، لم يجد خلالها المدرّس وقتًا كافيًا لكل هذا العدد من الطلبة.
ويضيف إن الظاهرة تتسبب في حرمان الطالب حقه في المشاركة والاستيعاب وهو ما يؤثر على تحصيله العلمي بشكل مباشر، فالكثير من المدارس يتجاوز فيها عدد الطلاب 50 طالبًا داخل الفصل، مشيرًا إلى أن توسعة المدارس بزيادة فصول في الساحات يأتي على حساب مساحات اللعب للأطفال.
ويؤكد أن الأمر متعلق أيضًا بسوء التخطيط، فالكثير من مدارس الوكالة مثلًا تتركز في المخيمات، بينما بات اللاجئين يتوزعون في كل مناطق قطاع غزة، فالأصل أن تطور الوكالة من توزيع المدارس، مؤكدًا وجود سوء تخطيط بوجه عام، فالأصل أننا نلمس الزيادة السكانية الكبيرة منذ العام 2000 لماذا لم يتم أخذ ذلك بالاعتبار.
واقع الكثافة الطلابية أقرت به الوكالة والحكومة على حد سواء، وإن كان لك لمنهما أسباب مختلفة جعلت هذه الظاهرة تنتشر دون إيجاد حلول مقنعة حتى الآن، إلا أن القاسم المشترك للطرفين هم التمويل.
يقول معتصم الميناوي، مدير عام العلاقات العامة والدولية في وزارة التربية والتعليم بغزة، إن الكثافة الطلابية تعدّ التحدي الأكبر بالنسبة للحكومة، وهو من أهم المشاكل المتوارثة عامًا بعد عام، مؤكدًا أن الوزارة أطلقت في العام 2014 استراتيجية ثورة الأبنية لبناء 52 مدرسة، وتم بالفعل البناء، إلا أن العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2014 أدى إلى ذهاب جزء من التمويل لترميم مدارس تضررت بدلًا من بناء مدارس جديدة.
وقال الميناوي إن الفصل الدراسي الأول لهذا العام استقبل 15 طالبًا جديدًا، وهي زيادة كبيرة وحدها تحتاج إلى 10 مدارس من أجل السيطرة عليها، مؤكدًا إن الحل لن يكون إلا عبر إنهاء الانقسام وتمكين الوزارة في غزة على الاستفادة من نصيبها من موازنة التعليم البالغة 800 مليون دولار وهذا مبلغ ممتاز لو تم توظيفه لتطوير البيئة التعليمية، إضافة إلى ضرورة التوسّع في توظيف معلمين جدد.
بدوره قال عدنان أبو حسنة المستشار الإعلامي للأونروا، أن مدارسهم استقبلت العام الحالي 34 ألف طالب أي بزيادة 9000 عن معدل العام الماضي، مشيرًا إلى أن عدد طلاب مدارس الأونروا بلغ 276 مدرسة لدرجة أن الوكالة اضطرت لاستئجار أربعة مدارس من الحكومة.
ويؤكد أبو حسنة إن انهيار الأوضاع الاقتصادية في قطاع غزة، أدى إلى انتقال الكثير من الطلاب من المدارس الخاصة والحكومية إلى الوكالة التي لا ترفض استقبال أي طالب لاجىء ضمن سياستها، مضيفًا أن هذا الضغط أثّر على مستوى التعليم في مدارس الأونروا.
وأكمل أن عدد المعلمين أيضًا لم يعد كافيًا، لكن الوكالة أيضًا تعاني من نقص في التمويل، فهي مع نهاية الشهر الحالي لن تتمكن من دفع رواتب الموظفين إذ تعاني من عجز مالي بلغ 126 مليون دولار، مؤكدًا أن الخروج من هذا الوضع يحتاج ضخ المانحين للأموال وتوظيف المزيد من المعلمين لكل مدرسة.
أبرز المشكلات المترتبة على الكثافة الطلابية حسب توثيق الميزان هي مشكلة في التحصيل المدرسي، وعدم القدرة على تشخيص نقاط القوة والضعف لدى الطلبة، وصعوبة توفير المواد التعليمية، صعوبة ضبط الفصل وفرض النظام، زيادة احتمال تعرض الطلاب للخطر نتيجة التدافع، إضافة إلى المشكلات الصحية والسلوكية.
مشكلة إضافية تعاني منها الحكومة والوكالة على حد سواء هي نقص الأراضي المخصصة للمدراس، ولكن بكل الأحوال يبقى النقص الواضح في وضع خطة استراتيجية تأخذ بالاعتبار الكثافة السكانية المتزايدة للمواطنين في قطاع غزة.
























