غزة-نوى:
عقب اجتماع ضم الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان ووزارة السياحة وسلطة الأراضي، أوقفت سلطة الأراضي أعمال التجريف الجارية في موقع تل السكن الأثري الواقع في مدينة الزهراء جنوب مدينة غزة، ولكن بعد أن تسبب في تدمير جزء من الموقع.
القصة بدأت عندما قررت سلطة الأراضي في فبراير 2017 منح مساحات أرض لكبار الموظفين الذين لا يتلقون رواتبهم بالكامل على ذات الموقع، فبدأت مناشدات وزارة السياحة لوقف أعمال التجريف التي أصرّت سلطة الأراضي على استئنافها رغم تشكيل لجنة مشتركة من الطرفين لبحث الأمر، ما أدلى لتدمير جانب من أسوار مدينة تاريخية من الطين اللبن ترقد تحت ركام التل الرملي الضخم الذي يغطي مساحة 85 دونم.

مناشدات وجهود أساتذة التاريخ والآثار في الجامعات الفلسطينية ووزارة السياحة والآثار في غزة، ذهبت أدراج الرياح، فعلى ما يبدو عندما يتعلق الأمر بأصحاب نفوذ لا يقدرّون بشكل صحيح القيمة التاريخية ولا يجدوا أطرافًا أقوى تصدهم يختلف التجاوب، حين بدأ التجريف في فبراير وثارت وزارة السياحة، تم الاتفاق على تشكيل لجنة مشتركة مع سلطة الأراضي لمناقشة الأزمة مع وقف أعمال التجريف إلا أنه تواصل.
مناشدات بلا جدوى
تقول الباحثة هيام البيطار من وزارة السياحة إنها بدأت بإطلاق المناشدات منذ فبراير لوقف التجريف دون أي استجابة من سلطة الأراضي واللجنة الإدارية التي أصدرت القرار، وحتى مع تشكيل لجنة فإن التجريف تواصل وضربوا عرض الحائط بتقرير الوزارة بل وتبيّن أن تل السكن مدرج لدى اللجنة الإدارية كأحد المواقع التي سيتم توزيع أراضيها على كبار الموظفين ممن لا يتلقون رواتبهم كاملة.
وأضافت أنها كانت برفقة أساتذة قسم التاريخ والاثار بالجامعة الاسلامية وقابلوا عالم الآثار الفرنسي جون باتيست الذي أكد أن الجزء الذي تم تجريفه من التل مهم جدًا ويحتوي على أسوار من الطوب الطيني المجفف بالشمس، وأن بعض تلك الأسوار يزيد عمرها عن عمر الأهرامات المصرية، وأن التجريف الذي طال المدينة الكنعانية في موقع تل السكن قد تدمر بشكل كامل عدا عن أجزاء مازالت واضحة للعيان إضافة إلى باقي التل الذي يجب الحفاظ عليه بشكل عاجل وسريع لأنه من أقدم المدن في العالم.
وأوضحت البيطار أن البحث في هذه المناطق الأصل أن يتم بواسطة "المسطرين" والفرشاة المخصصة لذلك، وليس بالجرافات، مضيفةً أنهم تواصلت مع مسؤول الحفريات الفرنسية في فلسطين جون باتيس الذي أكد أن الجزء الذي تم تجريفه تدمر تمامًا ولكن بقي وقت للحفاظ على ما تبقى من الموقع.

يعود تاريخ تل السكن إلى العصر البرونزي المبكر (3300-2300 ق.م)، وهو أقدم مركز إداري مصري محصّن في فلسطين، وكان بمثابة المكان الرئيس للأعمال التجارية بين مصر والمناطق المجاورة لها، وشهد مرحلتين مختلفتين من الاستيطان البشري؛ وهما الحضارة المصرية، والحضارة الكنعانية اللتان تعودان إلى أوائل العصر البرونزي المبكر، ويقع التل شمال وادي غزة الذي يبعد 5 كم، جنوب مدينة غزة، على تربة رملية كركارية، بارتفاع 30 مترًا عن سطح البحر، وتميز بالمناعة والحصانة بسبب التحصينات المعمارية التي أنشئت فيه على مدار التاريخ.
قانون قديم
من الناحية القانونية فإن فلسطين تعاني قصورًا قانونيًا في هذا الجانب، فموضوع الآثار ما زال يحتكم لقانون تجاوز 95 عامًا، وضعه الانتداب البريطاني عام 1922 تحت اسم القانون رقم (5) لكنه يجرّم أي عملية تغيير على واقع الآثار بالحبس أو الغرامة بالجنيه الفلسطيني أو كلا العقوبتين.
يؤكد المحامي بكر التركماني، الذي زار الموقع واطّلع على حجم التجريف الذي طاله ضرورة محاسبة ومساءلة من تسبب في هذا الضرر، إلى جانب قرار عاجل بوقف كل أعمال التجريف الجارية، فالموقع أثري ومن زاره يشهد وجود معالم أثرية بالمكان يتوجّب الحفاظ عليها وليس هدمها.
وتحدّث التركماني أن قانون الآثار رقم (5) لعام 1922 يحمّل بوضوح المسؤولية لكل من تسبب بضرر في موقع أثري وذلك في المادة 22 منه التي تنص على أن كل من نقّب أو هدم أو غيّر معالم حتى لو كانت أرضه يعتبر ارتكب جرمًا ويعاقب بغرامة مالية قدرها 100 جنية، أو الحبس 12 شهرًا أو كلا العقوبتين، موضحًا أن القانون قديم ونحن نحتاج إلى قانون عصري يوفّر حماية أكبر للآثار الفلسطينية.
ويضيف إن القانون وضّح تعريف الآثار وحظر في مجموعة من فقرات المادة 18 أي خطوات تتعلق بالمباني التاريخية والأثرية وأنه لا يجوز الحفر بعمق أكثر من مر أو القيام بأي أعمال حرق أو تدمير أو هدم وأو إنشاء مقبرة أو إنشاء أبنية أو جدران.
أما الأكاديميون في الجامعات الفلسطينية، فقد حضر عدد كبير إلى الموقع بينهم د.سامي أحمد أستاذ التاريخ في جامعة القدس المفتوحة، والذي أكد لنوى أن التجريف أتى على جزء مهم من المبنى الأثري نفسه، وشرح بأن الخبير باتيست عندما زار المكان بدأ ينقبّ فيه ويشرح بأنه يضم أمور أثرية تاريخية في غاية الأهمية، وأن أعمال الهدم بواسطة الجرافة ضيّعت جزء من المكان.
وأضاف أن دور الأكاديميين توضيح ذلك للجهات المختصة فهذه المنطقة ترتفع 8 أمتار وبسبب تدمير جزء من الموقع أصبح مكشوفًا وهو أثر يعود إلى العصر الكنعاني يتكون من الطين اللبن المتيبّس عن طريق الشمس وليس بالحرق، زلا يتكون من البازلت أو الرخام وهذا يعني أنه سيتعرض للخطر في حال هطلت الأمطار.
لم تتمكن نوى من الحصول على تصريح رسمي من سلطة الأراضي، إلا أن رئيسها د.كامل أبو ماضي كان قد نشر على صفحته على الفيس بوك منشورًا قال فيه :" بخصوص تل السكن كما يصفها بعض الاخوة، ويرى البعض أنها موقعا اثريا، فقد تم تشكيل عدة لجان بالخصوص، وقد تم تمثيل وزارة السياحة والآثار في هذه اللجان، وكان بامكان الوزارة ان تثبت اقوالها في جلسات هذه اللجان، وقد تم رفع محاضر جلسات هذه اللجان لمجلس الوزراء عدة مرات، ولم تستطع الوزارة اثبات أن هذا المكان هو موقع اثري، مع العلم أن بعض هذه اللجان سبقت مجيء الحكومة الحالية، وليعلم الجميع أن هذه المسألة منوطة بالوزارة وعليها أن تثبت اقوالها في الجلسات الرسمية، ولا داعي للجوء للحديث هنا أو هناك حول هذا الموضوع".
تصريحات تناقضت مع ما قالته البيطار ومع ما يمكن فهمه من البيان النهائي الصادر عن وزارة السياحة اليوم، لكن تبقى المسألة المهمة كيف مرت الأزمة على الأطراف دون مطالبة بالتحقيق فيمن تسبب بتدمير جزء من المعلم الأثري ودون حتى ضمانات بعدم التعدي على أي موقع أثري؟ سؤال يبقى موجهًا لوزارة السياحة وسلطة الأراضي.































