غزة-نوى:
انهمكت الشابة ضحى مرزوق بتقليب صفحات مجموعة من الكتب المرصوصة بعناية على إحدى الطاولات في معرض "اقرأ تحيا" الذي نظّمه نادي القراءة مساء اليوم، في ميناء غزة، بمبادرة شارك فيها مجموعة من الشبان الذين تلمّسوا غياب الاهتمام بالقراءة، فلم يلعنوا الظلام وفضلوا إضاءة شمعة.
سرعان ما خطفت الشابة العشرينية كتابًا اسمه "ايزنهاور" واتجهت إلى زاوية مواجهة للبحر لتستمتع بالقراءة وهواء الميناء العليل ومراكب الصيادين وأغانيهم في آن معًا، ثم استندت إلى ظهر مقعد خشبي وقالت لنوى: “القراء تمنح الإنسان أفقًا واسعًا في التفكير وتعلّمه الصبر عند تلقّي الأفكار والتدقيق فيها".

تعتقد ضحى ومعها زميلتها آلاء التي كانت ترافقها في الجولة بين طاولات المعرض أن هناك ازمة حقيقية في إقبال الشباب الفلسطيني على القراءة والمطالعة، مع اننا شعب متعلّم، أما آلاء فقد أكدت ضرورة تكثيف الفعاليات من أجل تشجيع الجميع على القراءة.
المعرض احتوى مجموعة من الكتب التاريخية والشعبية والأدبية بلو حتى كتب الأطفال، على رصيف الميناء ومقاعده الخشبية، انتشر مجموعة من الشباب والشابات ممن انتقوا كتبًا للمطالعة، حرصوا أن تكون بعيدة عن تخصصاتهم، تمامًا كما أكدت الشابة براء الغلاييني التي أضافت أن المثقف هو من يسعى لفهم معلومات خارج تخصصه والتنويع في مصادر معلوماته.
وأكملت أن الشباب الفلسطيني متعلم ولكن هناك مشكلة حقيقية في الإقبال على القراءة، ورغم انتشار ظاهرة مطالعة الكتب الالكترونية واليت عدّتها براء حلًا نوعًا ما، لكنها تجزم بضرورة إعادة الاعتبار للكتب الورقية، فهي تحمل رونق خاص كما أن معلومتها أكثر رسوخًا من تلك التي مسحتها العين في الكتاب الالكتروني.

الشهيد المقدسي بهاء عليان أيضًا كان حاضرًا بقوة في معرض "اقرأ تحيا"؛ من خلال زاوية "البهاء" التي خُصصت باسمه تخليدًا لفكرة سلسلة القراءة التي أسسها في جامعته قبل استشهاده وتوسعت وانتشرت بعده لتصبح علامة يسير من خلالها الشبان على درب مبادرته التي أحياها بموته.
نتلخّص الشابة إسراء العرعير المشرفة على الزاوية أهداف المشاركة بأنها لتسليط الضوء على أهمية القراءة وتشجيع الشباب عليها، فليس بالسلاح والرصاص تحيا المقاومة بل وبالعلم والمعرفة والتعمّق في الأشياء أيضًا وهذه كانت رسالة الشهيد بهاء عليان خلال حياته.
وتجزم إسراء إن الإنسان المثقف أكثر قدرة على أن يزن الامور بميزان المنطق، وهو الذي يسام بشكل أكثر فاعلية في رفعة تطور مجتمعه، وتعتقد أن عادة القراءة تواجه مشكلة نتيجة لأنها لم تحظ بالاهتمام الكافي خلال السنوات السابقة، وهذا برأيها يزيد العبء على وزارة الثقافة التي يتوجّب عليها زيادة الفعاليات والمسابقات التي تشجع كل فئات المجتمع على اقتناء الكتب وتصحفها.

ثلاثة أيام تفصلنا على ذكرى حريق المسجد الأقصى في 21 أغسطس 1969، وهي مناسبة رأى فيها الفريق المنظم للمبادرة فرصة للتذكير بأن أول معرض كتاب على مستوى الوطن العام تم تنظيمه في مدينة القدس عام 1947 قبل النكبة بعام واحد.
يقول صابر أبو الكاس مدير نادي القراءة الذي نظّم الفعالية، إن الفريق أراد أن يكون هذا المعرض امتداد لمعرض القدس عام 1947، وهو رسالة للجميع في فلسطين ان القراءة منهج حياة ونحن شعب متعلم ولكن نعاني مشكلة حقيقية في المطالعة.
ويذكّر أبو الكاس بالإجراءات التي مارسها الاحتلال منذ سرق أرضنا للحيلولة دون انتشار الكتب واطّلاع الناس عليها بحيث بات المثقف عملة نادرة، فمثلًا خلال الانتفاضة الأولى كان اقتناء الكتب ليس متاحًا بل وتهمة في نظر الاحتلال، واكتفوا بالتعليم العادي في المدارس لتنشأ الأجيال مكتفية بهذا التعليم فقط.
ويجزم أبو الكاس أن هذه كانت سياسة ممنهجة زاد الطين بلة فيها الحصار الحالي الذي حرم الشعب الفلسطيني في قطاع غزة من دخول آلاف الكتب، ورغم أن الكتب الالكترونية جزئيًا ساهمت في حل الأزمة لكن تبقى غير كافية.
باتت سياسة التجهيل المعرفي التي عاناها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة على مدار المراحل السابقة تجد أجيالًا من الشباب ينتفضون في وجهها ويسعون لاستثمار كل الطاقات والتقنيات المتوفرة من أجل العودة للقراءة واعتبارها منهج حياة، خطوات بمرور الوقت ستكون نتائجها ذات جدوى بشكل واضح.




























